
العدالة الانتقالية بين الجريمة والفاعل:
حين نتحدث عن العدالة الانتقالية في سورية، فإننا لا نتحدث عن مجرد محاكمات جنائية تقليدية تنتهي بتحديد الفعل المجرَّم وإنزال العقوبة بمرتكبه، فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست بحثاً في الجريمة وحدها، بل في الإنسان الذي ارتكبها، وفي الظروف والدوافع التي دفعته إليها، وفي الموقع الذي شغله داخل منظومة كاملة أنتجت المأساة السورية...
لهذا السبب، أرى أن أي حكم سيصدر بحق الموقوفين يجب ألا يقف عند حدود النتيجة الجرمية المجردة، بل ينبغي أن يتجاوزها إلى دراسة شخصية الفاعل ودوافعه ودوره الحقيقي في صناعة الجريمة، فليس جميع المتورطين في الانتهاكات سواء، وليس من العدل أن توضع الأدوار المختلفة في سلة واحدة لمجرد أنها أفضت إلى نتائج متشابهة...
لقد شهدت الدولة السورية، على مدى عقود، بنية أمنية وعسكرية شديدة المركزية، تقوم على التسلسل الصارم للأوامر، وفي مثل هذه البيئات، وجد كثيرون أنفسهم يتلقون الأوامر من مستويات أعلى، ثم ينقلونها إلى مرؤوسيهم بصيغة تنفيذية، ولا يعني ذلك إعفاءهم من المسؤولية القانونية أو الأخلاقية، لكنه يفرض التمييز بين من كان دوره محصوراً في تلقي الأمر وإكسائه الصفة التنفيذية ضمن موقع وظيفي محدد، وبين من ارتكب جريمة بنفسه أو أشرف على تنفيذها ميدانياً وتابع نتائجها لحظة بلحظة...
فثمة فرق جوهري بين ضابط أو مسؤول وجد نفسه داخل منظومة يعتبر فيها الامتناع عن تنفيذ الأوامر سبباً للمحاسبة القاسية، وربما للمحاكمة الميدانية أو حتى التصفية، وبين شخص اختار بإرادته الحرة أن يتحول إلى أداة قتل وقمع خارج أي التزام وظيفي أو واجب مهني. الأول يتحمل مسؤولية لا يمكن إنكارها، لكنه يبقى جزءاً من منظومة أوسع فرضت عليه خيارات محدودة، أما الثاني فقد صنع خياره بنفسه واتخذ طريق الجريمة بإرادته الكاملة...
ومن هنا أصل إلى الفئة الأخطر والأكثر استحقاقاً للمساءلة المشددة:
أولئك الذين لم يكتفوا بتنفيذ أوامر أو العمل ضمن هياكل الدولة، بل تطوعوا من تلقاء أنفسهم لتشكيل ميليشيات مسلحة أو قيادتها أو تمويلها، ثم استخدموا هذه التشكيلات في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية... هؤلاء لم يكونوا موظفين ينفذون واجباً وظيفياً، ولم يكونوا مجرد حلقات في سلسلة أوامر، بل كانوا أصحاب مبادرة إجرامية مستقلة، تحركهم دوافع الحقد أو الطائفية أو المصالح الشخصية أو النزعات الانتقامية...
إن جرائم التطهير العرقي، والتهجير القسري، والإبادة الجماعية، والانتهاكات الواسعة التي استهدفت المدنيين، لا يمكن النظر إليها بالمنظار نفسه الذي ننظر به إلى أفعال من تحركوا داخل منظومة الأوامر الرسمية، فهناك فارق أخلاقي وقانوني بين من انقاد لمنظومة قائمة، وبين من أسس بنفسه أدوات الجريمة وسعى إلى توسيع نطاقها وتعظيم آثارها، وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى شخصيات مثل "وسيم الأسد" بوصفها نموذجاً معبراً عن نمط من الفاعلين الذين تجاوزوا حدود الانخراط في أجهزة الدولة إلى صناعة شبكات عنف خاصة بهم، الأمر الذي يجعل مسؤوليتهم أشد جسامة وأوسع نطاقاً، إذ لايجوز بحال من الأحوال أن نضع في ذات المكان الجرمي مفتي الجمهورية على سبيل المثال واللواء جميل حسن ...
إن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تقوم على الانتقام، كما أنها لا تقوم على المساواة الشكلية بين حالات مختلفة جذرياً، فالعدالة التي تضع المنفذ المضطر والمتطوع المتحمس في مرتبة واحدة هي عدالة تفقد قدرتها على فهم المجتمع الذي تحاكمه، والمطلوب ليس تبرئة أحد، بل توزيع المسؤولية وفق درجاتها الحقيقية، بحيث يعكس الحكم القضائي حجم الدور الذي لعبه كل متهم في إنتاج المأساة السورية...
لذلك أرى أن من واجب المحاكم، قبل إصدار الأحكام، أن تبحث في طبيعة الدافع، ومقدار الحرية التي امتلكها الفاعل عند اتخاذ قراره، ومدى استفادته من الجريمة، وحجم المبادرة الشخصية التي أظهرها في ارتكابها. فهناك فرق بين من كان ينفذ ما اعتبره واجباً وظيفياً تحت وطأة منظومة قمعية مغلقة، وبين من وجد في الجريمة فرصة لتحقيق رغباته وأحقاده ومصالحه الخاصة...