
الشرع يطرح مقاربة بديلة للحرب في لبنان: دعم الدولة والحوار مع جميع الأطراف
في تصريحات حملت رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، رسم الرئيس السوري أحمد الشرع ملامح رؤية سورية جديدة للتعامل مع الأزمة اللبنانية، مؤكد. اً أن الحل لا يمكن أن يأتي عبر الحرب أو القصف أو توسيع دائرة المواجهة العسكرية، بل من خلال دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وإطلاق مسار سياسي يشارك فيه جميع الفاعلين اللبنانيين.
وقال الشرع في مقابلة مع قناة "المشهد" إن التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن لبنان فُهمت بصورة خاطئة، موضحاً أن الأخير أبدى انزعاجه مما يجري في لبنان حالياً، وأن القراءة المتداولة لمواقفه لا تعكس بالضرورة حقيقة ما قصده.
وأكد الرئيس السوري أن أي حرب جديدة في لبنان ستكون لها تداعيات خطيرة تتجاوز الحدود اللبنانية، مشيراً إلى أن سوريا ستكون من أكثر الدول تأثراً بنتائج أي تصعيد عسكري واسع النطاق، نظراً للتداخل الجغرافي والسياسي والأمني بين البلدين.
ولفت الشرع إلى أن لبنان يواجه اليوم تحديات متفاقمة في ظل تراجع الاهتمام الدولي والإقليمي من قبل أطراف كانت تعد تاريخياً من أبرز داعميه وحلفائه، الأمر الذي يزيد من تعقيد أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية.
وكشف الرئيس السوري عن مناقشات أجراها مع الرئيس الفرنسي حول سبل منع اندلاع حرب جديدة في لبنان، موضحاً أن دمشق طرحت مقاربة مختلفة تقوم على معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها. وتستند هذه الرؤية، بحسب الشرع، إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة اللبنانية وتقوية قدراتها، باعتبارها الإطار القادر على استيعاب التناقضات الداخلية وحماية الاستقرار الوطني.
وفي واحدة من أكثر النقاط لفتاً للانتباه، أعلن الشرع استعداد سوريا للجلوس مع "حزب الله" على طاولة واحدة إذا كان ذلك يصب في مصلحة سوريا ولبنان، في إشارة تعكس تبنّي مقاربة براغماتية تضع المصالح الوطنية والاستقرار الإقليمي فوق الاعتبارات السياسية التقليدية.
وشدد على أن الحزب، بوصفه مكوناً أساسياً في الحياة السياسية اللبنانية، مطالب بإيجاد موقعه الطبيعي داخل الدولة اللبنانية، بحيث تكون المصلحة اللبنانية هي المرجعية العليا التي تتقدم على أي اعتبارات أخرى. كما أشار إلى أن لبنان لا يزال يمتلك فرصة للخروج من أزمته عبر تبني أفكار جديدة ومقاربات غير تقليدية تتجاوز الوصفات السياسية التي أثبتت محدودية فعاليتها خلال السنوات الماضية.
وأكد الشرع أن أمن لبنان واستقراره يشكلان جزءاً لا يتجزأ من أمن سوريا واستقرارها، موضحاً أن دمشق تبذل جهوداً متواصلة وتطرح مبادرات يومية للمساعدة في تقريب وجهات النظر بين اللبنانيين ودعم فرص التوصل إلى حلول توافقية.
وختم الرئيس السوري موقفه بالتشديد على أن خسارة أي مكون لبناني لا تمثل خسارة لفئة أو طرف بعينه، بل خسارة للبنان والمنطقة بأكملها، في إشارة إلى أهمية الحفاظ على التوازنات الداخلية وتجنب السياسات الإقصائية التي قد تدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام.
قراءة تحليلية
تعكس تصريحات الرئيس أحمد الشرع تحولاً ملحوظاً في الخطاب السياسي السوري تجاه الملف اللبناني، إذ تبدو دمشق حريصة على تقديم نفسها كطرف داعم للاستقرار وليس جزءاً من محاور الصراع. كما أن حديثه عن الحوار مع جميع الأطراف، بما فيها "حزب الله"، يكشف عن توجه براغماتي يقوم على إدارة الواقع كما هو، لا كما ترغب الأطراف المختلفة أن يكون.
ومن الناحية السياسية، فإن الرسالة الأهم في هذه التصريحات تكمن في الربط بين أمن سوريا وأمن لبنان، وهي معادلة لطالما حكمت العلاقة بين البلدين عبر العقود. غير أن الجديد يتمثل في التركيز على تقوية الدولة اللبنانية كمخرج للأزمة، بدلاً من الرهان على موازين القوى العسكرية أو التحالفات الإقليمية.
وإذا كانت المنطقة تقف بالفعل على حافة مواجهة واسعة، فإن طرح الشرع يقدم رؤية تستند إلى منع الانهيار الشامل عبر الاحتواء والحوار وتعزيز مؤسسات الدولة. ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهوناً بقدرة القوى اللبنانية نفسها على تغليب منطق الدولة والمصلحة الوطنية على منطق المحاور والصراعات المفتوحة، وهو التحدي الذي ما زال يشكل العقدة الأساسية في المشهد اللبناني.