
الجولان… العقدة التي لا تُحلّ ومسار تفاوضي يعود من تحت الرماد
منذ عقود طويلة، لم يكن ملف الجولان مجرد أرض محتلة في الجغرافيا السورية، بل كان وما زال جوهر الصراع السياسي والنفسي والاستراتيجي في العلاقة بين سوريا وإسرائيل. كل جولة تفاوض، وكل مبادرة وساطة، وكل محاولة لفتح قناة اتصال، كانت تصطدم في النهاية بحقيقة واحدة: الجولان ليس تفصيلاً على طاولة التفاوض، بل هو أصل الطاولة نفسها.
في السنوات الأخيرة، ومع ما شهدته المنطقة من تحولات كبرى — من الحرب في سوريا إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، مرورًا بتداخل الملفات بين لبنان وإيران والولايات المتحدة — عاد الحديث عن احتمال استئناف قنوات التفاوض بين دمشق وتل أبيب. لكن هذا الحديث، مهما بدا جديدًا في ظاهره، هو في جوهره إعادة تدوير لمسار قديم لم يُغلق يومًا بشكل نهائي، بل جُمّد فقط عند حدود الاشتباك السياسي والأمني.
الجولان هنا هو المفتاح والمفتاح المعطّل في آن واحد. فمنذ عام 1967، حين احتُلّ، لم تنجح أي صيغة تفاوضية في تحويله من نقطة صراع إلى نقطة تسوية. وحتى اتفاق فصل القوات عام 1974، الذي أرسى تهدئة طويلة الأمد، لم يقترب من جوهر القضية، بل اكتفى بإدارة الصراع بدل حله. ومنذ ذلك الحين، ظل الجولان معيارًا لأي حديث عن السلام: لا انسحاب كامل يعني لا اتفاق، ولا اتفاق يعني بقاء الوضع على ما هو عليه.
لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيدًا. فالأخبار المتداولة عن ضغوط أمريكية لإعادة فتح قنوات التواصل، تأتي في سياق إقليمي مختلف تمامًا عن كل المراحل السابقة. لم تعد المسألة محصورة فقط بين سوريا وإسرائيل، بل أصبحت جزءًا من شبكة مصالح أوسع تشمل الجنوب اللبناني، والوجود الإيراني، والتوازنات الأمريكية في المنطقة. وهنا تحديدًا يصبح الجولان أكثر من مجرد أرض محتلة؛ يصبح ورقة في لعبة إعادة ترتيب الإقليم كله.
ورغم كل ذلك، تبقى العقدة الأساسية كما هي: الهوة بين المطالب السورية التي تتمسك بالانسحاب الكامل حتى حدود ما قبل 1967، وبين الرؤية الإسرائيلية التي تربط أي انسحاب بضمانات أمنية وتطبيع سياسي شامل. هذه الهوة لم تتقلص عبر الزمن، بل تعمقت مع تراكم الأحداث وتحول الصراع من نزاع حدودي إلى صراع استراتيجي متعدد الطبقات.
من هنا يمكن فهم سبب عودة الحديث عن التفاوض اليوم: ليس لأن الظروف أصبحت جاهزة للسلام، بل لأن الظروف الإقليمية باتت تستدعي إدارة جديدة للتوترات. أي أن ما يُطرح ليس سلامًا بالمعنى التقليدي، بل محاولة لإعادة هندسة التوازنات، بحيث يتم احتواء الصراع بدل حله.
في النهاية، يظل الجولان هو المرآة التي تعكس حقيقة هذا الملف كله: لا اتفاق ممكن بدون تنازلات كبرى، ولا تنازلات ممكنة بدون تغيير جذري في موازين القوة أو في طبيعة الرؤية السياسية للطرفين. وبين هذين الحدّين، يبقى كل حديث عن مفاوضات جديدة أقرب إلى فتح نافذة في جدار مغلق، أكثر منه بداية طريق واضح نحو تسوية نهائية.