
دمشق في المزاد الصامت:
عندما تتحول الأوطان إلى أصول استثمارية.
لا تنتهي الحروب دائماً بتوقيع اتفاقيات السلام، بل كثيراً ما تبدأ بعدها مرحلة اقتسام الغنائم، وفي سورية، يبدو أن المعركة تنتقل من ساحات القتال إلى أسواق المال، حيث تُقرأ دمشق في بعض الدوائر الاقتصادية بوصفها فرصة استثمارية أكثر منها مدينةً تحمل أقدم ذاكرة حضارية في التاريخ...
معلوم:
أن رأس المال لا تحركه العواطف، بل حسابات الربح والخسارة، ولهذا، فإن مشاريع "إعادة الإعمار" قد تتحول، إذا غابت الضوابط الوطنية، إلى بوابة لإعادة تشكيل الملكية والاقتصاد وحتى البنية الاجتماعية، تحت عناوين جذابة مثل "التطوير الحضري" و"المدن الذكية"، بينما يبقى الإنسان السوري خارج أولويات المشهد...
والمفارقة أن الاهتمام ينصب غالباً على الأبراج والمجمعات التجارية والمنتجعات الفاخرة، في حين تتراجع الأولوية لإحياء الزراعة والصناعة والإنتاج الحقيقي، فالمظهر العمراني وحده لا يصنع نهضة، بل قد يخفي اقتصاداً هشاً ومجتمعاً تتسع فيه الفجوة بين أصحاب الأرض وأصحاب رأس المال...
الأخطر أن السيطرة على العقار ليست مجرد استثمار اقتصادي؛ إنها وسيلة لإعادة رسم موازين القوة داخل المدن. فمن يملك الأرض يملك الثروة، ومن يملك الثروة يمتلك تأثيراً واسعاً في القرار السياسي والاجتماعي، وقد يجد السكان الأصليون أنفسهم عاجزين عن البقاء في مدنهم بسبب ارتفاع الأسعار وتغير أنماط الملكية.
إن إعادة إعمار سورية ينبغي أن تكون مشروعاً وطنياً يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ويحفظ حقوق الملكية والهوية والعدالة الاجتماعية. فالوطن لا يُقاس بعدد الأبراج الزجاجية، بل بقدرة أبنائه على العيش فيه بكرامة، أما إذا غلب منطق المضاربة على منطق السيادة، فقد يستيقظ السوريون يوماً ليجدوا أنهم يحتفظون بالذكريات وحدها، بينما أصبحت الأرض ملكاً لغيرهم.