
هل خرج "العفريت" من القمقم؟:
إيران بين هندسة الولادة وفقدان السيطرة.
أخشى أن ما أراه يراه كثيرون، لكنهم يترددون في الاعتراف به. ليس لأن الصورة غامضة، بل لأن نتائجها صادمة إلى حد يجعل العقل يرفضها قبل أن يناقشها. ولذلك قد أبدو مغردًا خارج السرب، بعيدًا عن المألوف، وربما بعيدًا أيضًا عن الحقول الأكاديمية التي قضيت عمري أدرسها وأكتب فيها، من العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى الدراسات العسكرية والاستراتيجية...
لكن بعض اللحظات التاريخية تفرض على الباحث أن يخرج من قوالب التحليل التقليدية، وأن يغامر بطرح فرضية قد تبدو مستفزة، لكنها – في نظره – تفسر من الوقائع أكثر مما تعجز عنه الروايات الرسمية...
يقول المثل الشعبي:
"من يحضر العفريت، عليه أن يعرف كيف يصرفه"...
وأعتقد أن هذا المثل يلخص، بصورة رمزية، قصة الثورة الإسلامية الإيرانية منذ ولادتها وحتى يومنا هذا، فمن وجهة نظري، لا أكاد أشك في أن الظروف التي أوصلت الخميني إلى السلطة لم تكن لتتحقق لولا تلاقي إرادات دولية وإقليمية متعددة، كان لفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة أدوار متفاوتة فيها، بينما كانت إسرائيل، أو بشكل ادق الصهيونية العالمية، ترى في تلك اللحظة فرصة لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الاستراتيجية...
"هذه ليست قراءة تنكر وجود العداء بين إيران وإسرائيل، لكنها تميز بين العداء الوجودي وعداء تضارب المصالح"...
فالكيان الإسرائيلي قام على مشروع "ديني - قومي " يعتبر نفسه تجسيدًا لفكرة "شعب الله المختار"، وأن فلسطين هي أرض الميعاد،وفي المقابل، جاءت الثورة الإيرانية لتؤسس مشروعًا دينيًا سياسيًا عابرًا للحدود، يرفع شعار نصرة المستضعفين ويمنح الحرس الثوري مهمة تصدير الثورة، بما يعني عمليًا منح نفسه شرعية التدخل في شؤون الدول الأخرى...
وهكذا وجد الشرق الأوسط نفسه أمام مشروعين أيديولوجيين، يختلفان في الهوية، لكنهما يتشابهان في النزعة التوسعية وفي توظيف الدين كأداة للنفوذ السياسي...
ولعل العراق وسورية ولبنان واليمن ليست سوى أبرز الساحات التي تجسد هذا المشروع الإيراني، حيث تحول شعار "تصدير الثورة" إلى نفوذ سياسي وعسكري وأمني امتد على حساب سيادة الدول الوطنية...
لكن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى كثيرًا ما تصنع أدواتها لتحقيق أهداف مرحلية، ثم تكتشف لاحقًا أنها فقدت السيطرة عليها...
وهنا أستحضر مرة أخرى صورة "العفريت".
فربما كانت الثورة الإيرانية – وفق هذه القراءة – ضرورة استراتيجية في لحظة معينة، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى قوة مستقلة لها مشروعها الخاص، ولم تعد مجرد أداة ضمن ترتيبات الآخرين...
إيران اليوم لا تبدو منشغلة فقط بحماية نظامها، بل تسعى إلى إعادة إنتاج نفوذ فارسي إقليمي بصيغة القرن الحادي والعشرين؛ ليس عبر الاحتلال المباشر، بل عبر شبكات النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي والعقائدي...
إنها لا تريد ضم أراضٍ بقدر ما تريد امتلاك القرار السياسي للدول المحيطة بها...
غير أن أي مشروع إقليمي يبلغ هذا المستوى من الطموح لا يمكن أن يتحرك في فراغ، فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل وجود قوة منفردة تفرض إرادتها دون أن تستدعي، تلقائيًا، قوة مضادة تحمل مشروعًا منافسًا، وهذه ليست خصوصية إيرانية، بل هي إحدى قواعد التوازنات الجيوسياسية التي حكمت المنطقة عبر تاريخها...
ومن هذا المنطلق، يبدو أن صعود المشروع الإيراني لا يقود فقط إلى احتكاك مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما يفتح الباب، بالضرورة، أمام منافسة مع القوة الإقليمية الأكثر استعدادًا لملء الفراغ، وهي تركيا، فلكل من أنقرة وطهران ذاكرة إمبراطورية لم تغب عن حسابات الحاضر، الأولى تستحضر إرث الدولة العثمانية وتسعى إلى توسيع مجالها الحيوي عبر الاقتصاد والسياسة والقوة الناعمة، وعندما تقتضي الضرورة بالقوة الصلبة أيضًا. أما الثانية، فتستند إلى الإرث الفارسي وتغلف مشروعها بغطاء عقائدي يمنحه بعدًا عابرًا للحدود.
وبقدر ما تلتقي مصالح الدولتين في بعض الملفات، فإنهما تتنافسان في ملفات أكثر حساسية، تمتد من العراق وسورية إلى القوقاز وآسيا الوسطى والخليج العربي، لذلك فإن احتكاك المشروعين ليس احتمالًا عابرًا، بل نتيجة شبه حتمية لتقاطع طموحين إمبراطوريين يسعيان إلى قيادة المجال الجيوسياسي ذاته، وإن اختلفت الأدوات والشعارات...
أما التطورات الأخيرة، لاسيما ما أعلن منذ ساعات عن وقف إطلاق نار بين إيران والامريكان، لمدة خمسة عشر يومًا بوساطة باكستانية، فقد حملت في طياتها رسائل أبعد من مجرد تهدئة مؤقتة...
فقد بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه كان ينتظر هذا الوقف بشغف، في حين ظهرت إيران بمظهر الطرف الذي لم يفقد اندفاعه ولا استعداده للمواجهة، وكأنها تعتبر الهدنة استراحة محارب أكثر منها نهاية للصراع...
ومن هذه الزاوية أخلص إلى عدة استنتاجات:
أولًا:
حتى لو لم تحقق إيران انتصارًا عسكريًا حاسمًا، فإنها – في تقديري – حققت مكاسب سياسية واقتصادية وأظهرت حدود القوة الأمريكية، وأثارت قلقًا عميقًا لدى دول الخليج بشأن مدى صلابة المظلة الأمنية الأمريكية...
ثانيًا:
سيزداد وزن إيران في معادلة الخليج، وستواصل السعي إلى فرض نفوذها على الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي...
ثالثًا:
لن تتراجع سياسة التوسع بالنفوذ، بل ستتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا ومرونة، لأن طهران تعتبر النفوذ الخارجي جزءًا من أمنها القومي، وليس مجرد خيار سياسي...
رابعًا:
أعتقد أن الملف النووي الإيراني بلغ نقطة اللاعودة، فإما أن إيران أصبحت بالفعل دولة نووية غير معلنة، أو أنها تقف على بعد خطوات قليلة جدًا من ذلك، وفي كلتا الحالتين فإن معادلات الردع في الشرق الأوسط لن تعود كما كانت...
عموما والعودة إلى التاريخ القريب فقد
أثبتت تجارب الولايات المتحدة، من فيتنام إلى أفغانستان، مرورًا بالعراق، أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية مستقرة، والقوة العظمى قد تربح المعركة التكتيكية، لكنها قد تخسر الحرب الاستراتيجية إذا عجزت عن إدارة اليوم التالي، وانا هنا اوافق من يقول إن ترامب يعرف كيف يفجر حربا لكنه لايعرف كيف ينهيها ..
خاتمة ورؤية استراتيجية:
تبقى قراءتي فرضية سياسية قابلة للنقاش، وليست حقيقة تاريخية محسومة، لكن ما يبدو أكثر رسوخًا هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الهيمنة المطلقة لأي طرف، لتحل محلها مرحلة ردع متبادل وصراعات نفوذ طويلة الأمد...
ومن منظور استراتيجي، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تنتصر إيران أو تُهزم إسرائيل أو تتراجع الولايات المتحدة، بل في أن تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس دائم بين مشاريع إمبراطورية متقابلة: مشروع إيراني، ومشروع تركي، ومشروع إسرائيلي، بينما يبقى العالم العربي في كثير من الأحيان ساحة لهذا الصراع أكثر منه طرفًا فاعلًا فيه...
وأعتقد أن السنوات المقبلة لن تُحسم فيها المعارك الكبرى بالدبابات والطائرات وحدها، بل بالاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والحروب السيبرانية، وإدارة التحالفات. ومن ينجح في هذه المجالات سيكون صاحب الكلمة العليا، حتى وإن لم يطلق رصاصة واحدة.