عندما تصبح الاخلاق رهينة الانتماء.

Salah Kirata • ٣‏/٧‏/٢٠٢٦

53725.png


عندما تصبح الاخلاق رهينة الانتماء :

قراءة بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليس أخطر على المجتمعات من سقوطها في امتحان الأخلاق، لأن خسارة السياسة يمكن تعويضها، أما خسارة الضمير فثمنها أجيال كاملة...

في الأزمات الكبرى تنكشف حقيقة المبادئ، هناك من يقيس الأشياء بميزان ثابت؛ يرفض الظلم لأنه ظلم، ويرفض الإهانة لأنها إهانة، مهما كان اسم الضحية أو الفاعل، وهناك من لا يرى في الأحداث سوى انعكاس لموقعه داخل الصراع، فيبارك الفعل إذا أصاب خصمه، ثم يلعنه عندما يدور عليه الدور...

"هذه ليست ازدواجية في المواقف فحسب، بل أزمة في مفهوم العدالة ذاته"...

لقد اعتدنا أن نشاهد المشهد نفسه يتكرر بأسماء مختلفة، كارثة إنسانية هنا تُستقبل بالشماتة لأنها وقعت في منطقة يختلف معها البعض سياسيًا، ثم تتحول الكارثة نفسها إلى مأساة وطنية عندما تنتقل إلى منطقة أخرى، تهجير يُدان لأنه أصاب جماعة بعينها، ثم يُبرَّر عندما يطال جماعة مختلفة، وعدوان خارجي يصفق له فريق ما دام يضعف خصومه، ثم يصبح عدوانًا مرفوضًا عندما تتبدل مواقع السلطة...

"وكأن المشكلة ليست في الفعل، بل في هوية من وقع عليه الفعل"...

والأمر لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى الإنسان نفسه، فكم من امرأة تعرضت للتنمر والإهانة لا لشيء سوى أنها تنتمي إلى بيئة سياسية مختلفة، فأصبح شكلها أو لباسها أو حضورها العام مادة للسخرية، وحين يحدث الأمر ذاته لامرأة من الطرف الآخر، يرتفع خطاب الدفاع عن الكرامة والحقوق، وهكذا تتحول القيم إلى أدوات للمواجهة، لا إلى مبادئ تحكم الجميع...

إن المجتمع الذي يوزع التعاطف وفق الانتماءات، ويمنح الإنسانية لفئة ويحجبها عن أخرى، لا يؤسس لعدالة، بل يرسخ ثقافة الثأر. وعندما يصبح الألم مقبولًا إذا أصاب الخصوم، فإن الجميع سيدفع الثمن في نهاية المطاف، لأن عجلة الانتقام لا تتوقف عند أحد...

لا يمكن بناء وطن بعقلية تعتبر الضحية إنسانًا فقط عندما تشبهنا، ولا يمكن صناعة سلام بينما نمنح أنفسنا حق تبرير ما ندين به الآخرين، فالمبدأ الذي يحتاج إلى معرفة اسم الضحية قبل إصدار الحكم ليس مبدأً، وإنما موقف سياسي يرتدي ثوب الأخلاق...

إن المجتمعات المتحضرة لا تُعرف بعدد شعاراتها، بل بقدرتها على الحفاظ على معيار أخلاقي واحد في جميع الظروف. فالشماتة لا تصبح فضيلة لأن المستهدف خصم، والتهجير لا يفقد صفته كجريمة لأن المتضرر ينتمي إلى معسكر آخر، والعدوان الخارجي لا يكتسب شرعية لأنه يصيب من نختلف معهم، كما أن الكرامة الإنسانية لا يجوز أن تخضع لموازين الولاء والخصومة...

وأرى أن سورية، بعد كل ما مرت به من مآسٍ، ليست بحاجة إلى تبديل مواقع المنتصرين والخاسرين، بل إلى استعادة فكرة بسيطة فقدناها وسط الضجيج وهي :
" أن الإنسان يجب أن يبقى القيمة الأعلى، وأن الظلم يبقى ظلمًا مهما كان مرتكبه، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تتبدل بتبدل الحكام أو تبدل الولاءات. فالدولة التي نحلم بها لن تولد من انتصار طرف على آخر، بل من انتصار الضمير على العصبية، والمبدأ على المصلحة، والإنسان على كل أشكال الانقسام".