
تفجير دمشق... عندما تكشف بصمة الإرهاب زيف الاتهام السياسي
في كل مرة تهتز فيها مدينة بعمل إرهابي كبير، ينقسم الناس إلى فريقين؛ فريق يبحث عن الحقيقة، وفريق يبحث عن متهم يناسب موقفه السياسي. وبين الفريقين تضيع الحقيقة، وتتحول دماء الأبرياء إلى وقود لمعركة إعلامية لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها.
ما شهدته دمشق من تفجير دموي استهدف مدنيين في قلب العاصمة لا ينبغي أن يُقرأ بعين السياسة وحدها، بل بعين التحليل الأمني والجنائي، لأن الإرهاب لا يترك خلفه ضحايا فحسب، وإنما يترك أيضاً "بصمة" تكشف الكثير عن هوية مرتكبيه.
إن أجهزة الاستخبارات في العالم لا تبدأ تحقيقاتها من سؤال: من هو خصم السلطة؟ بل تبدأ من سؤال أكثر احترافية: ما هي البصمة العملياتية للهجوم؟ ومن يملك الدافع؟ ومن يملك القدرة؟ ومن المستفيد من النتائج السياسية والأمنية التي سيولدها هذا العمل؟
هذه هي القاعدة التي تجعل التحقيق العلمي مختلفاً عن الاتهام السياسي.
فالعمليات الانتحارية باستخدام الأحزمة الناسفة، واستهداف التجمعات المدنية بقصد إيقاع أكبر عدد من الضحايا، ليست مجرد وسيلة قتالية، بل تعكس منظومة فكرية نشأت داخل التنظيمات الجهادية السلفية المتشددة، وتبلورت عبر تجارب تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش. وفي أدبيات هذه التنظيمات يُنظر إلى الإرهاب بوصفه وسيلة لإحداث الصدمة، وكسر هيبة الدولة، وإثبات الحضور، وإرباك المجتمع.
أما من الناحية التاريخية، فرغم الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى النظام السوري السابق في سياقات متعددة، فإن العمليات الانتحارية ذات الطابع العقائدي لم تكن السمة المعروفة لأساليبه الأمنية. وهذا لا يبرئ أي طرف من أفعال أخرى، لكنه يعني أن نسبة هذا النمط من العمليات إلى جهة معينة تحتاج إلى أدلة مباشرة، لا إلى افتراضات مبنية على الخصومة السياسية.
ولهذا فإن القفز مباشرة إلى اتهام "فلول النظام" لا يمثل استنتاجاً استخبارياً، بل يمثل فرضية سياسية تحتاج إلى إثبات. أما التحليل المهني فيفترض أن يبدأ من الوقائع الميدانية لا من المواقف المسبقة.
وإذا صحت المعلومات المتداولة عن إحباط محاولة هجوم أخرى واعتقال مشتبه بهم كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إضافية، فإن ذلك يوحي - من الناحية التحليلية - بوجود تصور عملياتي أوسع من مجرد تفجير منفرد. فالعمليات المتزامنة أو المتعاقبة تعد من الأنماط التي استخدمتها تنظيمات جهادية في أكثر من ساحة، بهدف إنهاك الأجهزة الأمنية وتعظيم الأثر النفسي والسياسي للهجوم.
في هذا السياق، تبدو فرضيتان أكثر اتساقاً مع المنهج التحليلي.
الفرضية الأولى تتعلق بإمكانية ضلوع تنظيم داعش أو خلايا تدور في فلكه. فهذا التنظيم يرى في أي سلطة تتبنى الدولة الوطنية أو تنخرط في ترتيبات سياسية خصماً عقائدياً، ويعتبرها خارجة عن مشروعه. ومن ثم فإن تنفيذ عملية في قلب العاصمة يحقق له أهدافاً متعددة: إظهار القدرة على الضرب، وإحراج السلطة، واستعادة الحضور الإعلامي، وإرسال رسالة إلى أنصاره بأنه لا يزال فاعلاً.
أما الفرضية الثانية فتتصل بملف المقاتلين الأجانب والجماعات العابرة للحدود. فالتجارب المقارنة في أفغانستان والعراق وليبيا تشير إلى أن انتهاء المعارك لا يعني انتهاء خطر الجماعات المؤدلجة. فحين تضيق عليها الخيارات السياسية والعسكرية، قد تلجأ بعض العناصر إلى العنف المستقل لإعادة فرض نفسها على المشهد.
ومع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على السلطات السورية لإحكام احتكار الدولة للسلاح، وتنظيم أوضاع الفصائل المسلحة، والتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، يصبح احتمال انزلاق بعض العناصر المتشددة إلى العمل الإرهابي احتمالاً يستحق الدراسة، لا باعتباره حقيقة ثابتة، وإنما باعتباره أحد السيناريوهات التي ينبغي فحصها.
لقد أثبتت الخبرة الدولية في مكافحة الإرهاب أن التنظيمات العقائدية لا تتحرك بمنطق الربح والخسارة التقليدي، بل بمنطق "الفوضى الخلاقة" بالنسبة إليها؛ فإذا تعذر عليها فرض مشروعها، فإنها قد تسعى إلى تقويض أي مشروع آخر، ولو كان الثمن دماء المدنيين. ولهذا فإن العمليات الإرهابية كثيراً ما تكون رسائل سياسية بوسائل دموية، تستهدف كسر الثقة بين المجتمع والدولة، وإظهار أن السلطة عاجزة عن حماية مواطنيها.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات ليس فقط وجود السلاح، وإنما بقاء الأيديولوجيا التي تبرر استخدامه ضد المجتمع نفسه. فالسلاح يمكن مصادرته، أما الفكرة فلا تُهزم إلا بمشروع دولة يرسخ القانون، ويعزز المؤسسات، ويجفف منابع التطرف.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية التي تواجه دمشق اليوم ليست مجرد مطاردة منفذي عملية إرهابية، بل حماية مشروع الدولة من كل من يريد تحويل سوريا مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للصراعات العقائدية العابرة للحدود.
إن العدالة تقتضي انتظار نتائج التحقيقات وعدم إصدار أحكام نهائية قبل اكتمال الأدلة، لكن المنهج التحليلي يقتضي في الوقت نفسه ألا نستبدل التحقيق بالشعارات، ولا الأدلة بالخصومات السياسية. فالحقيقة لا تُعرف بمن نكره، وإنما بما تثبته الوقائع، وما تكشفه البصمات العملياتية، وما تؤيده الأدلة.
وإذا كان الإرهاب يسعى دائماً إلى تفجير المجتمع قبل أن يفجر الأبنية، فإن أولى وسائل مقاومته هي حماية الوعي من الاستقطاب، وحماية التحليل من التسييس، وحماية العدالة من الاتهامات المسبقة. فالدولة التي تنتصر على الإرهاب ليست الدولة التي تكثر من الاتهام، وإنما الدولة التي تجعل الدليل وحده هو الطريق إلى الحقيقة.