--:--
ضحايا وجرحى في انفجار استهدف مقهى قرب القصر العدلي بدمشق

ديمقراطية على مقاس الحكومة الانتقالية

Salah Kirata • ٢‏/٧‏/٢٠٢٦



53556.png
ديمقراطية على مقاس الحكومة الانتقالية:

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليست المشكلة في الأشخاص، بل في الآلية، فما قُدِّم بوصفه ممارسة ديمقراطية لا يعدو كونه إعادة تدوير لنموذج قديم، يقوم على الجمع بين صندوق الاقتراع وقرار التعيين، في معادلة تُفرغ الانتخابات من جوهرها، وتمنح السلطة حق إعادة تشكيل الإرادة الشعبية بعد إعلانها...

فالبرلمان، في جوهره، هو المؤسسة التي تستمد شرعيتها كاملة من الناخبين، أما حين يُفتح باب التعيين داخل مؤسسة يفترض أنها منتخبة، فإن العلاقة بين الشعب وممثليه تصبح منقوصة، ويغدو التمثيل الشعبي مشروطًا بإرادة السلطة لا بإرادة الناخب...

وليس جديدًا أن تُسوَّق هذه الصيغة تحت عناوين براقة؛ كتمثيل الكفاءات، أو حماية التوازنات، أو توسيع قاعدة المشاركة، إنها الذرائع نفسها التي رافقت الأنظمة السلطوية لعقود، حين كان المطلوب إضفاء مظهر ديمقراطي على نظام لا يثق بنتائج الديمقراطية الكاملة...

- غير أن التناقض الأكبر يبقى عصيًا على التبرير، فإذا كان المجتمع، كما يُقال، لا يمتلك من الوعي ما يؤهله لاختيار جميع ممثليه، فمن أين اكتسب فجأة الوعي الكافي لاختيار رئيس الدولة؟..
-  وإذا كان الشعب أهلًا لمنح الشرعية لأعلى منصب في البلاد، فكيف يصبح غير أهل لمنحها لنائب يمثل دائرة انتخابية؟..

هذا السؤال وحده يكفي لإسقاط البناء النظري كله، لأنه يكشف أن المشكلة ليست في أهلية المجتمع، وإنما في حدود الثقة التي ترغب السلطة في منحه إياها...

لقد تغير الزمن، وتغير الناس، وتغيرت وسائل المعرفة، بينما بقيت أدوات إدارة الحياة السياسية أسيرة عقلية قديمة، تؤمن بأن الديمقراطية يمكن أن تُدار من الأعلى، وأن نتائجها ينبغي أن تبقى ضمن هوامش مرسومة سلفًا...

إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، ولا بعدد الناخبين، وإنما بمدى احترام إرادتهم. وحين يصبح التعيين شريكًا للانتخاب في إنتاج السلطة التشريعية، فإن السؤال لا يعود عن نزاهة الانتخابات، بل عن اكتمالها...

قد تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، لكن الممارسات هي التي تكشف حقيقة الأنظمة. وعندما يبقى النص هو نفسه، والإخراج هو نفسه، والنتيجة مرسومة سلفًا، فإن الحديث عن التجديد يصبح مجرد تغيير في الممثلين، بينما يظل المسرح كما كان...

إن الشعوب قد تُخدع مرة، لكنها لا تُخدع إلى الأبد، والوعي العام، في زمن المعرفة المفتوحة، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الديمقراطية بوصفها حقًا أصيلًا، وبين الديمقراطية بوصفها مشهدًا سياسيًا مُعدًّا للإخراج أكثر منه للاختيار.