ملحمة بيادر العدس: حين انكسر الفولاذ وتهاوى الطيران عند "السلطان يعقوب"

Salah Kirata • ٣‏/٧‏/٢٠٢٦

53505.png

ملحمة بيادر العدس: 
حين انكسر الفولاذ وتهاوى الطيران عند "السلطان يعقوب"...

في حزيران من عام 1982، كان الغبار يلف تلال لبنان وجباله، والآلة العسكرية الإسرائيلية تتدفق عبر الحدود في عملية "سلامة الجليل"، مدفوعة بنشوة التقدم السريع، وهدف استراتيجي واضح هو :
 الوصول إلى طريق " دمشق - بيروت " الحيوي، لقطع شريان المقاومة وعزل العاصمة اللبنانية، كان التقدير الاستخباري الإسرائيلي يشير إلى أن الجيش العربي السوري في حالة تراجع، وأن الطريق نحو الهدف بات شبه مفتوح، خاصة بعد الضربات القاسية التي تعرضت لها شبكة الدفاع الجوي السوري في البقاع قبل يومين فقط فيما عُرف بمعركة "ميدفيد 19".
لكن في جغرافيا البقاع الشرقي، وتحديداً عند مثلث "بيادر العدس – السلطان يعقوب"، كانت الحكاية تُكتب بحبر آخر، هناك، لم تكن الأرض مجرد تضاريس، بل تحولت إلى فخ صامت أعده رجال الفرقة المدرعة الثالثة ووحدات القوات الخاصة السورية. لقد قررت القيادة الميدانية السورية تحويل هذه المنطقة إلى "منطقة تقتيل"؛ حيث وزعت الكمائن المضادة للدروع بدقة، ونصبت المدافع عيونها على السهل، واستتر الجنود في خنادقهم يرقبون خط الأفق، مدعومين بقرار قيادي حاسم:
 يجب أن تكون السماء مظلة تحمي الأرض، مهما كان الثمن...
مع غروب شمس العاشر من حزيران، صدرت الأوامر للواء المدرع الإسرائيلي بالتقدم السريع عبر المحور لتأمين التقاطع قبل وقف إطلاق النار المتوقع. اندفعت الدبابات الإسرائيلية بثقة مفرطة، متجاوزة نقاط الاستطلاع دون تمشيط كافٍ، مدفوعة بضغط الوقت من القيادة العليا التي اعتقدت أن غياب التغطية الصاروخية الشاملة للسوريين سيجعل الاختراق نزهة سهلة تحت حماية طائرات الـ "F-15" والـ "F-16".
 ومع حلول عتمة الليل، وجد اللواء نفسه، ودون أن يدرك، قد توغل عميقاً داخل جيب سوري محكم الإغلاق، أشبه بفم الأسد الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليطبق على فريسته...
في فجر الحادي عشر من حزيران، انشق الصمت، بكلمة أمر واحدة، تفجرت الأرض تحت مجنزرات الاحتلال. انطلقت صواريخ "المالوتكا" و"الفاغوت" المضادة للدروع من التلال الحاكمة لتخترق دروع دبابات "الميركافا" و"السنتريون"، وفي الوقت نفسه، صبت المدفعية السورية جحيم قذائفها بغزارة غير مسبوقة، لتقطع خطوط الرجعة وتخلق جداراً من النار وعزل القوة المحاصرة عن إسنادها الخلفي...
حين أدركت القيادة الإسرائيلية حجم الكارثة، واستغاثت القوة المحاصرة، استدعت تل أبيب ذراعها الطولى: سلاح الجو، هدرت المقاتلات الإسرائيلية في سماء البقاع محاولةً فتح ثغرة لإنقاذ اللواء المحاصر عبر قصف هستيري لمواقع المدفعية والكمائن السورية، لكن الإجابة السورية جاءت فورية ومزلزلة؛ اندفعت أسراب طائرات "الميج-21" و"الميج-23" السورية في هجمات انتحارية بطولية لكسر الطوق الجوي الإسرائيلي، لم تكن المعركة الجوية متكافئة تكنولوجياً، لكن الطيارين السوريين عوضوا الفارق الاستراتيجي بجسارة نادرة، مشتبكين من مسافات قريبة لخلط الأوراق ومنع الطيران الإسرائيلي من تحديد أهدافه الأرضية بدقة...
في الوقت ذاته، ورغم تدمير معظم القواعد الثابتة للدفاع الجوي سابقاً، أبهرت الوحدات السورية الميدانية العدو باعتمادها على الصواريخ المحمولة على الكتف مثل "سام-7" والبطاريات المتحركة "سام-9" والمدفعية المضادة للطائرات "الشيلكا". تحولت سماء السلطان يعقوب إلى شبكة من الخطوط الفوسفورية والنيران المتصاعدة، ونجحت هذه المنظومات المرنة في إجبار المقاتلات الإسرائيلية على التحليق بارتفاعات شاهقة، مما أفقدها القدرة على تقديم الدعم القريب والفعال للدبابات المستغيثة في الأسفل...
تحولت "بيادر العدس" إلى ملحمة حقيقية؛ حيث التلاحم من مسافات صفرية على الأرض وفي الجو، جنود المشاة السوريون، وبإرادة فولاذية، واجهوا الدبابات بصدورهم وقذائفهم المحمولة على الكتف، مستمدين عزيمتهم من زئير طائرات الميج التي كانت تخوض معركة الموت في الأعلى، ممرغين أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" في تراب البقاع. سادت الفوضى في صفوف اللواء الإسرائيلي، وتقطعت أوصال الاتصال بين وحداته، وتحول التقدم الهجومي إلى معركة يائسة من أجل البقاء الخالص. وطوال ساعات الصباح الأولى، دافع الجنود السوريون عن مواقعهم مستبسلين، مانعين العدو من تحقيق أي اختراق نحو الطريق الدولي، ومحبطين المخطط الإسرائيلي بالكامل...
حين عجز الطيران الإسرائيلي عن حسم المعركة وإنهاء الحصار الصارم، وتحت وطأة الخسائر المتتالية، اضطرت القوة البرية للاحتلال إلى الانسحاب العشوائي والمهين تحت غطاء مدفعي جنوني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تراجع الصهاينة تاركين وراءهم آلياتهم المحترقة، وجثث قتلاهم، وثلاثة مفقودين ( زفي فيلدمان، يهودا كاتس، وزخاريا باومل ) الذين تحول مصيرهم إلى لغز استخباراتي لازم إسرائيل لعقود، حتى استعادت رفات أحدهم بعد أكثر من سبعة وثلاثين عاماً برعاية دولية...
بينما اعترفت الأدبيات الإسرائيلية مرغمة بنحو عشرين قتيلاً وعشرات الجرحى وفشل تكتيكي ذريع نتج عن الغطرسة وسوء التقدير في البر والجو، سجل التاريخ العسكري السوري هذه المعركة كواحدة من أنصع الملاحم الوطنية؛ حيث أثبت المقاتل العربي السوري، سواء كان جندياً في خندق، أو رامياً على مدفع "شيلكا"، أو طياراً يقود ميج وسط النيران، أنه قادِر على كسر التفوق التكنولوجي بالإرادة والتلاحم الأسطوري، لقد كانت "السلطان يعقوب" الصخرة التي تحطمت عليها أوهام الحسم السريع، وبقيت بيادر العدس شاهدة على يوم امتزج فيه الدم بالتراب ليعلن أن الأرض لأصحابها، وأن السماء لا ترحب بالغرباء.