وسائل التواصل الاجتماعي… مصنع الكراهية وإعادة إنتاج الانقسام

Salah Kirata • ٣‏/٧‏/٢٠٢٦

53724.png

وسائل التواصل الاجتماعي… 
مصنع الكراهية وإعادة إنتاج الانقسام.

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لم تعد الكلمة مجرد تعبير عن رأي، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي بسرعة تفوق قدرة المجتمع على فهمه...

عندما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، قُدِّمت بوصفها مساحة حرية غير مسبوقة: 
كسر احتكار الإعلام، إتاحة الصوت الفردي، وتوسيع المجال العام خارج المؤسسات التقليدية، لكن هذه المساحات، مع الوقت، لم تبقَ مجرد أدوات للتعبير، بل تحولت إلى بيئة كاملة لإنتاج المعنى، وإعادة تشكيل الرأي العام، وفي حالات كثيرة: تعميق الانقسام...

في الحالة السورية، لم تدخل هذه الوسائل إلى مجتمع متماسك، بل إلى مجتمع يحمل أصلاً مستويات عالية من التوتر والشكوك والانقسامات الكامنة، لذلك لم تكن هذه المنصات سبباً في الانقسام، لكنها كانت قوة تسريع وتكثيف وإعادة إنتاج له...

تقوم البنية الداخلية لهذه المنصات على منطق بسيط لكنه حاسم: 
المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشاراً، والغضب، والخوف، والاستفزاز، والانفعال، كلها عناصر تزيد من التفاعل، وبالتالي من الانتشار...

ومع الوقت، يصبح هذا النمط هو القاعدة لا الاستثناء، فلا يعود النقاش العام قائماً على البحث عن الفهم أو بناء موقف مشترك، بل على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار...

في هذا السياق، يتحول الرأي من محاولة للفهم إلى "موقف حاد"، ويتحول الاختلاف إلى "خصومة"، ويتحول الخصم الفكري أو السياسي إلى صورة مختزلة مشحونة بالصفات السلبية...

وهكذا تتغير بنية النقاش العام تدريجياً، فبدلاً من التدرج في التفكير، يتم إنتاج ردود فعل فورية. وبدلاً من بناء فهم مركب للواقع، يتم تبسيطه إلى ثنائيات حادة: 
"معنا أو ضدنا، صحيح أو خاطئ، ضحية أو جلاد"...

ومع تكرار هذا النمط، تتغير طريقة إدراك الواقع نفسه، فالمستخدم لا يرى العالم كما هو، بل يرى نسخة منه مُفلترة عبر خوارزميات تُفضّل المحتوى الأكثر إثارة واستقطاباً...

وهكذا تنشأ "فقاعات معرفية" يعيش داخلها الأفراد مع من يشبههم في الرأي، بينما تتراجع فرص الاحتكاك الحقيقي بوجهات نظر مختلفة. ومع غياب هذا الاحتكاك، تتصلب القناعات وتضعف القدرة على الفهم المتبادل...

في السياق السوري، أدى هذا إلى ظاهرة إضافية أكثر تعقيداً:
إعادة إنتاج الانقسام بصيغة أشد حدة من الواقع نفسه في بعض الأحيان. فالصورة التي تُبنى رقمياً لا تعكس الواقع فقط، بل تضيف إليه طبقات من التفسير والانفعال والتضخيم...

ومع الوقت، لم تعود وسائل التواصل مجرد مرآة، بل اصبحت فاعلاً في تشكيل المزاج العام، فالخطابات الأكثر حدة تجد طريقها إلى الانتشار بسرعة، بينما تُهمَّش الأصوات الأكثر هدوءاً وتعقيداً وتوازناً...

ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يشمل أيضاً ما يمكن تسميته بـ"التمثيل الرقمي للهويات"، حيث تتصرف مجموعات أو حسابات وكأنها تمثل جماعات سياسية أو اجتماعية كاملة، فتنتج خطاباً جماعياً مكثفاً يعمّق منطق الاصطفاف...

وهكذا تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة استقطاب رمزي، يعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي ويضخمه، ويمنحه شكلاً يومياً دائماً...
لذا:
 فإن أحد أخطر نتائج هذا التحول هو تآكل المساحة المشتركة للحوار، فكل طرف يرى الآخر من خلال أكثر صوره تطرفاً أو انتشاراً، لأن هذه هي الصورة التي تنتشر أكثر في الفضاء الرقمي. وبدلاً من أن تقرّب هذه الوسائل وجهات النظر، فإنها كثيراً ما تعمّق سوء الفهم المتبادل...
وهنا:
 من الضروري عدم الوقوع في تبسيط مخلّ، فوسائل التواصل ليست سبب الانقسام، بل هي وسيط يعكسه ويضخّمه، فهي تعمل داخل بيئة اجتماعية وسياسية سابقة عليها، وليست مستقلة عنها...
علماً:
أنه في مجتمعات أكثر استقراراً وثقة، يمكن لهذه المنصات أن تكون مساحة للتعدد والحوار، أما في سياقات مشحونة بالانقسام، فإنها تتحول إلى مضاعف له...

ومن هنا:
فإن معالجة أثرها لا يمكن أن تكون عبر المنع أو الرقابة وحدهما، بل عبر إعادة بناء البيئة التي تعمل فيها: بيئة تقوم على الثقة، وعلى إعلام مهني قادر على إنتاج معرفة موثوقة، وعلى مؤسسات تمنح معنى للمعلومة، وعلى مجتمع يمتلك قدرة على التمييز بين التعبير والتحريض...

في النهاية:
لا تصنع وسائل التواصل الاجتماعي الانقسام من العدم، لكنها تعيد تشكيله، وتسريعه، وتكثيفه، وتثبيته في الوعي العام بشكل يومي...

ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة بناء المجتمع لا يمكن أن يتجاهل هذا الفضاء، بل يجب أن يتعامل معه كجزء من البنية العميقة للأزمة، لا كعامل خارجي عنها.