--:--
وزارة الداخلية: تفكيك خلايا تابعة لتنظيم داعش في الجنوب، وإلقاء القبض على القيادي فراس الداغر وعدد من مسؤولي الاغتيالات والتمويل. وأُحيل الموقوفون إلى القضاء بعد اعترافات بتورطهم في جرائم قتل وسلب وتم الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة الأزرق الأردنية ومركز قيادة أمريكي بعشرة صواريخ باليستية حين انتقلت الحرب إلى قلب روسيا... هل بدأت مرحلة كسر الإرادات؟

انحيازٌ للوجع... دفاعًا عن العدالة لا انتصارًا للاتهام

Salah Kirata • ١٠‏/٧‏/٢٠٢٦

55677.png

انحيازٌ للوجع...
 دفاعًا عن العدالة لا انتصارًا للاتهام.

في القضايا التي تمس كرامة الإنسان، لا يكون الانحياز الأول للحقيقة منافسًا للعدالة، بل مدخلًا إليها. لذلك فإن الوقوف إلى جانب الطرف الأضعف، ولا سيما المرأة التي تدّعي تعرضها للاعتداء، ليس إدانةً مسبقةً للمتهم، وإنما موقف أخلاقي يهدف إلى إعادة التوازن في مواجهة اختلال ميزان القوة، وحماية الإنسان من أن يُترك وحيدًا في مواجهة النفوذ والسطوة والخوف...

فالفرق جوهري بين الانحياز للضحية وإدانة المتهم، الأول واجب إنساني يقتضي الحماية والإصغاء وضمان تحقيق مستقل، أما الثانية فلا يقررها إلا القضاء بعد استكمال الأدلة، وفي مرحلة ما قبل القضاء، يكون واجب المجتمع حماية الإنسان من الاغتيال المعنوي، بينما يكون واجب القضاء البحث عن الحقيقة. وعندما تختلط هاتان الوظيفتان، تضيع العدالة بين شعبوية الاتهام وظلم التشكيك...

إن أخطر ما تواجهه الضحية ليس الاعتداء وحده، بل المحاكمة الاجتماعية التي تعقبه؛ حيث تُفتَّش سيرتها، وتُنبش تفاصيل حياتها الخاصة، وكأن استحقاقها للعدالة مرهون بمثاليتها. وهذه مغالطة أخلاقية وقانونية؛ فالعدالة لا تشترط أن يكون الضحايا بلا أخطاء، لأن الخطأ لا يبرر الجريمة، والضعف البشري لا يسقط الكرامة الإنسانية...

إن مجرد خروج امرأة لتروي ما تعرضت له، في مجتمع لا يزال يحمّل الضحية عبء إثبات براءتها الأخلاقية قبل إثبات وقوع الجريمة، هو فعل شجاعة استثنائي، فهي لا تواجه شخصًا بعينه، بل ثقافةً اعتادت مساءلة الضحية أكثر من مساءلة الجاني، والبحث في ماضيها أكثر من البحث في الأدلة...

ومن هنا تنحرف البوصلة إلى أسئلة لا علاقة لها بالحقيقة: 
- من هي؟..
-  كيف كانت تعيش؟..
-  مع من اختلفت؟..
بينما يغيب السؤال الذي يستحق أن يُطرح:
-  هل وقع الاعتداء؟.. 
- ومن المسؤول عنه؟..
- وهل فُتح تحقيق مستقل وشفاف يكشف الحقيقة ويحفظ حقوق الجميع؟..

إن قرينة البراءة ليست امتيازًا للمتهم، بل ضمانة للعدالة، لكن العدالة نفسها تفرض قرينة إنسانية موازية، قوامها احترام كرامة المشتكي وحمايته من الترهيب والتشهير. فلا يجوز أن تتحول قرينة البراءة إلى ذريعة لإسكات الضحايا، كما لا يجوز أن يتحول التعاطف إلى حكم بالإدانة قبل القضاء...

والمجتمع الذي يجعل ثمن التبليغ عن الجريمة أعلى من ثمن ارتكابها، إنما يدفع ضحاياه إلى الصمت، ويمنح الجناة شعورًا بالأمان. لذلك فإن حماية الضحية ليست منحة أخلاقية، بل شرط أساسي لتمكين العدالة من الوصول إلى الحقيقة، لأن الخوف من التشهير قد يكون أحيانًا أشد قسوة من الجريمة نفسها...

فالعدالة لا تبدأ بإدانة المتهم، لكنها أيضًا لا تبدأ بمحاكمة الضحية، إنها تبدأ باحترام الألم، وتأمين الحماية، وفتح تحقيق جاد ومستقل، ثم ترك القانون يقول كلمته بعيدًا عن الضغوط والأحكام المسبقة...

وحين ننحاز إلى الوجع، فإننا لا ننحاز ضد أحد، بل ننحاز إلى قيمة الإنسان، وإلى حق كل مظلوم في أن يُسمَع صوته، وأن تُصان كرامته، وأن يجد في القانون ملاذًا لا سيفًا مسلطًا عليه. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على معاقبة الجناة، بل بقدرتها أيضًا على حماية الضحايا من أن يُقتلوا مرتين: مرة بالاعتداء، ومرة بالتشكيك والتشهير...

إن العدالة ليست انتصارًا لطرف على آخر، بل انتصار للحقيقة، والحقيقة لا تولد من الشائعات، ولا من محاكمات الرأي العام، وإنما من تحقيق حر وقضاء مستقل وضمير مجتمعي يدرك أن صون كرامة الإنسان هو أول شروط سيادة القانون. فحين تُحاكم الضحية قبل الجاني، لا يكون المجتمع قد انتصر للعدالة، بل يكون قد منح الظلم فرصة جديدة ليرتدي ثوب الحقيقة.