--:--
الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة الأزرق الأردنية ومركز قيادة أمريكي بعشرة صواريخ باليستية حين انتقلت الحرب إلى قلب روسيا... هل بدأت مرحلة كسر الإرادات؟

في مديح التبعية: حين يصبح القرب من "التاجر الأمريكي" معياراً لعظمة الأوطان

Salah Kirata • ١٠‏/٧‏/٢٠٢٦

55684.png


في مديح التبعية: 
حين يصبح القرب من "التاجر الأمريكي" معياراً لعظمة الأوطان.

في زمن تختلط فيه السياسة بالإعلام، وتضيع الحدود بين التعبير عن الرأي وبين صناعة صورة مبالغ فيها للواقع، تظهر أحياناً خطابات تثير الدهشة ليس بسبب ما تقوله فقط، بل بسبب ما تكشفه من طريقة تفكير تجاه معنى الدولة ومكانة الوطن...

فقد خرج الفنان بشار إسماعيل ليعبّر عن دعمه وحبه للرئيس أحمد الشرع، وهو حق شخصي لا جدال فيه، فالمواقف والانتماءات حق لكل إنسان. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول التعبير الشخصي إلى قراءة سياسية تقوم على معيار غريب لمكانة الدول والقيادات؛ معيار لا يقيس القوة بالإنجاز أو الاستقلال أو القدرة على حماية المصالح الوطنية، بل بعدد الأمتار التي تفصل الزعيم عن مكتب رئيس دولة كبرى...

فحين يقال إن قادة العالم، بمن فيهم رؤساء الدول العظمى، يتمنون الجلوس في "حضرة" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإن حصول الرئيس السوري أحمد الشرع على هذه المكانة يجعله متقدماً على معظم قادة العالم، فإننا لا نكون أمام مجرد مجاملة عابرة، بل أمام تصور يحتاج إلى مراجعة عميقة لمعنى السياسة ومفهوم السيادة...

* من يرفع القائد أم يختزله؟:
المفارقة أن بعض أشكال المديح قد تتحول، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى انتقاص من قيمة من يمدحونه، فالرئيس الذي تُقاس مكانته بمدى قربه من زعيم أجنبي، لا بمدى قدرته على بناء دولة قوية وتحقيق مصالح شعبه، يصبح أسيراً لمعيار خارجي. وكأن قيمة الدولة لا تأتي من تاريخها وشعبها وموقعها وثقلها الحضاري، بل من درجة رضا الآخرين عنها...

وهنا تكمن السقطة الكبرى: 
فبدلاً من القول إن سورية تستعيد دورها من خلال إرادة شعبها وقدرتها على بناء مؤسساتها، يصبح الإنجاز الأكبر هو أن شخصاً ما حصل على مقعد قريب من طاولة رئيس أمريكي...

وكأن السياسة الدولية تحولت إلى صالة انتظار، تقف فيها الدول طوابير للحصول على شهادة حسن سلوك من الأقوياء!

* ترامب ليس إمبراطور العالم!:
يبدو أن بعض المبالغين في المديح يتعاملون مع دونالد ترامب وكأنه مركز الكون السياسي، وكأن لقاءه أو قربه يمثل وساماً يمنحه لمن يشاء، لكن الواقع أكثر بساطة وتعقيداً في آن واحد: ترامب، قبل أن يكون رئيساً، هو رجل أعمال يحمل عقلية الصفقات. وهو ينظر إلى العلاقات الدولية غالباً من زاوية المصالح والحسابات والنتائج ...
للعلم:
في عالم ترامب لا توجد صداقات سياسية أبدية، ولا "حظوة" مجانية، ولا علاقات قائمة على المجاملات، هناك مصالح تتقاطع، وأهداف تتحقق، وصفقات تُنجز. ومن ينسى هذه الحقيقة قد يجد نفسه يقرأ السياسة بمنطق حفلات التكريم لا بمنطق موازين القوى...

فالتاجر حين يفتح باب متجره أمام أحد الزبائن لا يعني أنه منحه شراكة في ملكية المتجر، بل يعني ببساطة أن هناك مصلحة أو صفقة أو منفعة مشتركة...

*وهذا هو حال السياسة أيضاً:
- المديح الذي يحمل في داخله رسالة خطيرة، فالأكثر إثارة للتأمل أن هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بتقديم صورة مثالية عن العلاقة مع الخارج، بل يوحي ضمناً بأن الاعتراف الخارجي هو مصدر الشرعية والقوة، وهذه فكرة خطيرة في تاريخ الدول؛ لأن الشرعية الحقيقية تبدأ من الداخل، من قدرة القيادة على تمثيل شعبها، ومن احترام سيادة الوطن، ومن بناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام الضغوط...

أما تحويل العلاقة مع قوة أجنبية إلى معيار للعظمة، فهو يعيد إنتاج ثقافة التبعية التي دفعت شعوباً كثيرة أثماناً باهظة عندما ظنت أن حماية الخارج يمكن أن تكون بديلاً عن بناء الداخل...

* بين الوطنية الحقيقية ووهم الحظوة:
لا تُقاس مكانة سورية بصورة مع رئيس أمريكي، ولا تُقاس قوة قيادتها بعدد كلمات الإطراء التي تحصل عليها من الخارج. الدول تُحترم عندما تمتلك قرارها، وتدافع عن مصالحها، وتتعامل مع الآخرين من موقع الندية لا من موقع البحث عن القبول...
أما تحويل السياسة إلى مسابقة في من يحظى بابتسامة هذا الزعيم أو ذاك، فهو أشبه بمن يعتقد أن قيمة الإنسان تُقاس بقربه من صاحب المال لا بما يملكه من كرامة وقدرة...
ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذا المشهد أن البعض، وهو يحاول أن يرفع من شأن الوطن وقيادته، ينتهي به الأمر إلى اختزال الوطن كله في كرسي داخل غرفة، أو صورة أمام مكتب، أو إشادة عابرة من رجل سياسي تحكمه حسابات المصالح...

فالأوطان العظيمة لا تنتظر شهادة من أحد كي تكون عظيمة، والقيادات القوية لا تحتاج إلى أن تُثبت مكانتها بقربها من الآخرين، بل بقدرتها على صناعة مكانتها بنفسها.