أي عدالة انتقالية هذه؟: عندما يُستقبل محمد حمشو وتُحاكم شخصيات أخرى: ان الكيل بمكيالين ينسف العدالة من جذورها

Salah Kirata • ١٧‏/٧‏/٢٠٢٦

57695.png

أي عدالة انتقالية هذه؟:
 عندما يُستقبل محمد حمشو وتُحاكم شخصيات أخرى:
ان الكيل بمكيالين ينسف العدالة من جذورها؟!.

دعونا نغادر لغة التنظير، ونقترب من الواقع السوري كما يراه الناس، فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بما يُكتب في القوانين، وإنما بما يُطبق على الأرض. وإذا اختل ميزانها، تحولت من وسيلة لإنصاف الضحايا إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم بثوب جديد...

اليوم، يطرح السوريون سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن إقناعهم بوجود عدالة انتقالية، بينما يرون شخصيات مثل محمد حمشو، الذي ارتبط اسمه لسنوات بمنظومة الحكم السابقة وبنفوذها الاقتصادي، يحظى بمساحة للحضور وإعادة التموضع، في الوقت الذي يُحاكم فيه المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون بتهم تتعلق بدوره خلال المرحلة الماضية؟..

ليست القضية هنا الدفاع عن أحمد بدر الدين حسون، ولا تبرئة محمد حمشو، بل رفض أن تكون العدالة انتقائية، فإذا كان المعيار هو المسؤولية عن دعم المنظومة السابقة، فليكن المعيار واحداً على الجميع، دون استثناء، أما إذا كانت هناك أدلة قانونية على شخص، فيجب أن تُطبق عليه الإجراءات نفسها التي تُطبق على غيره، مع كامل ضمانات المحاكمة العادلة..ظ

إن العدالة التي تبدو وكأنها تتساهل مع أصحاب النفوذ والمال، بينما تتشدد مع شخصيات أخرى، تفتح الباب أمام أخطر سؤال يمكن أن يواجه أي سلطة انتقالية هو:
- هل نحن أمام عدالة القانون، أم أمام عدالة السياسة؟..

لا يمكن بناء دولة جديدة إذا شعر السوريون بأن بعض الملفات تُغلق بالتسويات، بينما تُفتح ملفات أخرى لأسباب سياسية أو إعلامية. فالمواطن لا ينظر إلى الشعارات، بل إلى النتائج، وإذا رأى أن المعايير تختلف من شخص إلى آخر، فلن يثق بالقضاء، ولن يؤمن بأن العدالة الانتقالية جاءت لإنصافه.

إن العدالة الحقيقية لا تعرف الأسماء ولا المكانة ولا الثروة، وهي لا تمنح صكوك غفران لأحد، ولا تختار أكباش فداء لإرضاء الرأي العام. العدالة الحقيقية تفتح جميع الملفات، وتُخضع الجميع للمعيار ذاته، وتترك الكلمة الأخيرة لقضاء مستقل ومحايد...

أما أن يشعر السوري بأن المال قد يفتح باب التسوية، بينما يُفتح باب المحاكمة لغيره، فذلك ليس انتقالاً إلى دولة القانون، بل انتقال من انتقائية إلى انتقائية أخرى، ومن ظلم قديم إلى ظلم جديد...

إن سورية لا تحتاج إلى عدالة المنتصر، ولا إلى عدالة الانتقام، بل إلى عدالة واحدة لا تفرق بين محمد حمشو وأحمد بدر الدين حسون، ولا بين مسؤول كبير وموظف صغير، ولا بين صاحب نفوذ ومن لا نفوذ له. فالمساواة أمام القانون ليست شعاراً سياسياً، بل هي الشرط الأول لولادة دولة تستحق أن يثق بها السوريون.