بين عباءات المحاور... لا تولد الأوطان

Salah Kirata • ٥‏/٧‏/٢٠٢٦

54346.png


بين عباءات المحاور...
 لا تولد الأوطان.

قبل أن تتحول زيارة وزير الخارجية السوري اسعد الشيباني إلى لبنان إلى مناسبة للاحتفاء أو للإدانة، كان يجدر أن تكون فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية: 
- ما الذي نريده فعلاً من الدولة والسيادة؟..
 لأن الضجيج الذي رافق الزيارة لم يكشف حقيقة المشهد، بل زادها التباساً، وأعاد إنتاج الانقسام نفسه بأسماء مختلفة...

شخصياً وكما تعلمون :
لا أرى في مشروع حزب الله نموذجاً يمكن أن يبنى عليه مستقبل لبنان، ليس هذا فقط بل أراه دولة ضمن دولة، وأداة بيد ايران في المنطقة والاقليم ولايغيب هنا عن الأذهان أن الدولة لا يمكن أن تستقيم بوجود قوة عسكرية وسياسية تمتلك قرارها خارج مؤسساتها الدستورية، ولا يمكن للسيادة أن تتعايش مع سلاح يحدد اتجاه الحرب والسلم بمعزل عن الإرادة الوطنية. كما أن تحويل لبنان إلى ساحة تتصارع فيها المشاريع الإقليمية لم يجلب له سوى الاستنزاف والانقسام والعزلة...

لكن رفض هذا الواقع لا يعني القبول بواقع آخر لا يقل عنه خطورة، اقصد :

أننا مع مفارقة غريبة عجيبة حيث نجد أن بعض الأصوات التي ترفع شعار السيادة وترفض أي نفوذ خارجي، تبدو مستعدة لتجميد مبادئها عندما يتغير اسم الحليف أو تتبدل هويته السياسية أو المذهبية، وكأن معيار القبول لم يعد احترام الدولة ومؤسساتها، بل مدى التقاطع مع الخصومة السياسية القائمة...

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، فالمبدأ الذي يتغير تبعاً لهوية الطرف الآخر ليس مبدأً، وإنما موقف ظرفي تحكمه العاطفة والانحياز...

ليست المشكلة في زيارة شخصية سورية إلى لبنان بحد ذاتها، بل في الرمزية السياسية التي أحاطت بها، وفي الخطاب الذي حاول تصويرها وكأنها إعلان انتصار لمحور جديد أو غلبة لفئة على أخرى، فعندما تتحول الزيارات السياسية إلى رسائل تعبئة مذهبية، تصبح جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل، وهنا أنا لا اقصد ابدا اني لست مع محور عربي يهزم المحور الإيراني لكن على أساس قومي لا ديني ...

إن رفض الهيمنة الإيرانية لا يبرر الارتماء في أحضان نفوذ آخر، تماماً كما أن معارضة نظام الأسد لا تعني منح أي مشروع بديل صكاً مفتوحاً لبناء السلطة على أسس أيديولوجية أو دينية أو عسكرية...

فلا مستقبل لسورية إذا انتقلت من وصاية إلى وصاية، ولا معنى للحرية إذا استبدلت عباءة بأخرى، مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت الرايات...

القضية ليست في أسماء الأشخاص، بل في طبيعة المشروع الذي يمثلونه، فالدولة لا تُبنى بعقيدة الجماعة، ولا تستقر بمنطق الغلبة، ولا تُدار بالسلاح الموازي للمؤسسات، ولا تنهض وهي معلقة بإرادة العواصم الخارجية...

ولهذا لا أستطيع أن أرفض تنظيماً مسلحاً لأنه ينطلق من مرجعية مذهبية معينة، ثم أتعامل بحماس مع تنظيم آخر يحمل المنطق ذاته لكنه ينتمي إلى بيئة مختلفة،  فازدواجية المعايير لا تصنع دولة، بل تؤسس لصراع جديد بوجوه جديدة...

السيادة ليست شعاراً يُرفع في مواجهة خصم ويُطوى عند حضور حليف، والسيادة ليست امتيازاً تمنحه القوى الخارجية لمن ينسجم مع مصالحها، إنها استقلال القرار الوطني عن الجميع، واحتكار الدولة وحدها لحق القوة، وخضوع الجميع للقانون بلا استثناء...

كما أن الدولة ليست مساحة للتوفيق بين الميليشيات، ولا حلبة لاختيار السلاح الأقل سوءاً، بل عقد وطني يجعل المواطنة أعلى من الطائفة، والمؤسسات أقوى من الجماعات، والقانون فوق الجميع...

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لأنه أخفق طويلاً في ترسيخ دولة تتقدم على الانتماءات الطائفية، فبقيت الطوائف تتنازع الوطن حتى كاد الوطن يختفي خلفها...

أما سورية، فإنها ستكون أمام الخطر ذاته إذا اعتقدت أن سقوط نظام استبدادي يكفي وحده لبناء دولة جديدة، كون إسقاط السلطة ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وإذا لم يكن البديل مشروعاً وطنياً جامعاً، مدنياً، يحتكم إلى المؤسسات لا إلى البنادق، فإن البلاد لن تكون قد خرجت من أزمتها، بل ستكون قد انتقلت إلى نسخة أخرى منها...

الأوطان لا تُقاس بعدد المحاور التي تنتصر لها، بل بقدرتها على التحرر من جميع المحاور. والدولة الحقيقية لا تبحث عن وصي جديد، بل ترفض فكرة الوصاية من أساسها. وعندما يصبح الولاء للوطن أعلى من الولاء للطائفة، وللدستور أعلى من الولاء للجماعة، عندها فقط يمكن أن تبدأ رحلة الخروج من الدائرة التي أنهكت لبنان، وما زالت تهدد سوريا والمنطقة بأسرها.