سورية بعد تبدل السلطة... لماذا لم يتبدل الاقتصاد

Salah Kirata • ٥‏/٧‏/٢٠٢٦

54389.png


سورية بعد تبدل السلطة... 
لماذا لم يتبدل الاقتصاد؟:

من السهل تفسير سقوط الأنظمة بلحظة عسكرية، ومن الصعب تفسير ما يحدث بعدها، فالحروب لا تُحسم دائماً في ساحات القتال، كما أن الدول لا تُبنى بمجرد انتقال السلطة، وبين هاتين الحقيقتين تقف التجربة السورية اليوم باعتبارها واحدة من أكثر التجارب تعقيداً في التاريخ السياسي المعاصر.

لا أعتقد أن ما جرى في سورية يمكن اختزاله في رواية الانتصار العسكري الخالص، فمن الصعب تصور أن جماعات مسلحة، مهما بلغت قدرتها التنظيمية، كانت قادرة بمفردها على هزيمة الجيش السوري وحلفائه، وفي مقدمتهم روسيا وإيران، في حرب استمرت سنوات وشهدت واحداً من أكبر أشكال التدخل الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. والأقرب إلى منطق العلاقات الدولية أن التحول جاء نتيجة تغير في حسابات القوى المتدخلة، بعدما وصلت إلى قناعة بأن كلفة الإبقاء على النظام أصبحت أعلى من كلفة البحث عن ترتيبات سياسية جديدة. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق معلن أو صفقة مكتوبة، لكنه ينسجم مع طبيعة السياسة الدولية التي كثيراً ما تُدار عبر التفاهمات الضمنية وإعادة توزيع المصالح.

لقد كانت الحرب السورية أكبر من نزاع إقليمي، وأقل من حرب عالمية، لكنها جمعت في ميدان واحد مشاريع متناقضة لقوى كبرى وإقليمية. وبعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي، بدا أن الجميع وصل إلى نقطة الإنهاك الاستراتيجي؛ وهي المرحلة التي يصبح فيها الحفاظ على الوضع القائم أكثر تكلفة من تغييره، فتتبدل الأولويات من تحقيق الانتصار الكامل إلى إدارة الخسائر وإعادة ترتيب النفوذ...

لكن إذا كان هذا التفسير يساعد على فهم التحول السياسي، فإنه لا يفسر وحده المفارقة الأكثر قسوة: لماذا لم يشعر السوري العادي بأي تحسن يُذكر بعد أكثر من عام ونصف من تبدل السلطة؟..

بل إن صور طوابير الوقود، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، عادت لتشبه إلى حد بعيد سنوات الحصار والعقوبات، والمفارقة أن الخطاب الدولي، من الولايات المتحدة إلى تركيا مروراً بعدد من الدول العربية، يتحدث باستمرار عن دعم سورية ومساعدتها، بينما يبقى الواقع المعيشي غارقاً في الفقر والعجز...

هذه المفارقة ليست لغزاً إذا نُظر إليها من زاوية الاقتصاد السياسي:

أولاً:
 لأن إسقاط سلطة لا يعني بناء دولة، فإدارة الحرب تختلف جذرياً عن إدارة الاقتصاد، فالجماعات التي نشأت في بيئة الصراع طورت خبرة في إدارة اقتصاد الحرب القائم على المعابر، والجباية، والاقتصاد غير الرسمي، لكنها تجد نفسها أمام تحدٍ مختلف تماماً عندما تصبح مسؤولة عن إدارة دولة تحتاج إلى مؤسسات مالية، وسياسات نقدية، وإنتاج، واستثمار، وإدارة كفوءة للموارد، الانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية الدولة هو أصعب بكثير من الانتقال من المعارضة إلى السلطة...

ثانياً:
لأن المجتمع الدولي لا يمول الاقتصادات بقدر ما يمول مصالحه، فالمساعدات الإنسانية شيء، وإعادة بناء الاقتصاد شيء آخر تماماً، لذا فإن إعادة الإعمار تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وضمانات قانونية، واعتراف سياسي، واستقرار أمني طويل الأمد، وهي شروط لم تكتمل بعد. لذلك بقي الجزء الأكبر من الحديث عن دعم سورية في إطار المساعدات الإغاثية التي تمنع الانهيار الكامل، لكنها لا تؤسس لنمو اقتصادي مستدام...

ثالثاً:
لأن الاقتصاد السوري لا يعاني فقط من أزمة سياسات، بل من انهيار في رأس المال الوطني نفسه، فسنوات الحرب استنزفت البنية التحتية، وأضعفت القطاع الصناعي، وقلصت الإنتاج الزراعي، وأدت إلى هجرة واسعة لرؤوس الأموال والكفاءات البشرية. وحتى لو رُفعت جميع العقوبات غداً، فإن إعادة بناء هذا الاقتصاد تحتاج إلى سنوات طويلة وإلى بيئة مستقرة لا تزال بعيدة المنال...

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أن السلطة السياسية، أياً كانت هويتها، لا تستطيع إنتاج الرفاه بمجرد تغيير الشعارات، فالاقتصاد لا يعمل بمنطق الشرعية الثورية أو العسكرية، وإنما بمنطق الثقة، والثقة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى عبر مؤسسات مستقرة، وقضاء مستقل، وإدارة شفافة، وسياسات اقتصادية قابلة للتنبؤ. وهذه العناصر ما زالت غائبة أو غير مكتملة...

لذلك:
فإن استمرار الأزمات المعيشية لا يعني بالضرورة فشل طرف واحد بقدر ما يكشف حجم الخراب الذي أصاب الدولة السورية نفسها. فالدولة التي فقدت جزءاً كبيراً من مؤسساتها، ومواردها، وكفاءاتها، لا تستعيد عافيتها بمجرد تبدل السلطة، كما أن التفاهمات الدولية قادرة على إعادة رسم خرائط النفوذ، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشغيل المصانع، أو إصلاح شبكات الكهرباء، أو ملء خزانات الوقود...

لقد أثبتت التجربة السورية أن السياسة تستطيع تغيير الحكومات، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير الاقتصاد، ويمكن للتوازنات الدولية أن تُسقط أنظمة، وأن تصنع سلطات جديدة، لكنها لا تصنع تنمية، ولا تخلق وظائف، ولا تضمن رغيف الخبز..ظ

وربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر قسوة في المشهد السوري اليوم:
 إن السوري لم يكن ينتظر فقط تبدل الحاكم، بل كان ينتظر استعادة الدولة، وبين تبدل السلطة واستعادة الدولة مسافة هائلة لا تختصرها الاتفاقات الدولية، ولا تملؤها الشعارات، بل تبنيها المؤسسات، والإنتاج، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المواطن السوري يدفع ثمن صراعات بدأت على الجغرافيا، لكنها انتهت إلى إنهاك الإنسان نفسه.أرى أن هذه النسخة أكثر تماسكاً من الناحية الأكاديمية؛ فهي تحافظ على قوة الفكرة، لكنها تقدم الفرضيات السياسية بصيغة تحليلية لا جزمية، وتربط بين العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بطريقة أكثر إقناعاً للقارئ المتخصص والعام في آن واحد.