السيادة المستباحة وصمت القبور: جنوب سوري يواجه الاحتلال وحيداً

Salah Kirata • ٤‏/٧‏/٢٠٢٦

54136.png

السيادة المستباحة وصمت القبور:                      جنوب سوري يواجه الاحتلال وحيداً.

لم يعد الجنوب السوري ساحة لحرب مؤجلة، بل تحول إلى مسرحٍ مفتوح لخروقاتٍ شبه يومية، يمارس فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي غطرسته دون رادع، تداهم البيوت الآمنة في عتمة الليل، تُنتهك الحرمات، ويُروّع الأهالي في قراهم وبلداتهم. المشهد بات سريالياً ومؤلماً؛ جنود مدججون بالسلاح يعبرون الحدود المستباحة، يعتقلون هذا ويستجوبون ذاك، ثم يعيدون بعض المخطوفين بعد جولات من التحقيق والترهيب، وكأن الأرض بلا صاحب، وكأن الكرامة السورية باتت لقمة سائغة في فم آلة الحرب الإسرائيلية...
هذا التغول اليومي والاعتداء السافر على أهلنا في الجنوب لا يستمد قوته من تفوق الاحتلال العسكري فحسب، بل يتغذى بالدرجة الأولى على مشهد مخزٍ من الصمت المطبق المخيم على دمشق. صمتٌ يحاكي صمت القبور، تلوذ به الحكومة الانتقالية، وتلتف به وزارتا الدفاع والداخلية، في سياسة بائسة يمكن اختصارها بـ "اعمل نفسك نائماً"...
* هروب من المسؤولية تحت غطاء الصمت:
فبينما تنتهك السيادة الوطنية على مرأى ومسمع العالم، تبدو مؤسسات الدولة المعنية بحماية المواطن وإدارة المرحلة الانتقالية وكأنها تعيش في كوكب آخر...
- وزارة الدفاع، التي من المفترض أن تكون درع البلاد وحامية حدودها، تلتزم سكوناً غريباً، وتكتفي ببيانات خجولة أو تجاهل تام لما يحدث على الأرض...
 - ووزارة الداخلية، المنوط بها حفظ أمن المواطن واستقراره، تبدو عاجزة حتى عن إصدار تنديد يرفع من معنويات الأهالي الصامدين تحت وطأة المداهمات والاعتقالات التعسفية.
إن استراتيجية "التغافل" وتمرير هذه الانتهاكات وكأنها حوادث عابرة، لم تعد تنطلي على أحد، فالأهالي في درعا والقنيطرة ومحيطهما لا يواجهون فقط عدواً يتربص بهم عبر الحدود، بل يواجهون شعوراً قاتلاً بالخذلان من حكومة يُفترض أنها تمثل تطلعاتهم وتحمي وجودهم...

يجب أن يعلم الإسرائيليون أن الجنوب ليس ساحة تجارب، وإن تكرار عمليات الاختطاف والتحقيق مع المواطنين السوريين وإعادتهم لاحقاً، يمثل سابقة خطيرة تحول الجنوب إلى منطقة ساقطة عسكرياً وأمنياً بحكم الأمر الواقع، فالاحتلال يتعامل مع المنطقة كساحة تجارب أمنية مفتوحة، مستغلاً حالة السيولة السياسية والضعف الهيكلي للمؤسسات الانتقالية...
لكن التاريخ يثبت دائماً أن الجنوب السوري، بمخزونه النضالي وعشائره وأهله، لم يكن يوماً أرضاً خصبة للمشاريع الدخيلة أو الاستباحة المديدة. صمود الناس هناك، ومواجهتهم لآلة القمع الإسرائيلية بصدور عارية، هو الذي يحفظ ما تبقى من كرامة على تلك الحدود، في وقت سقطت فيه أوراق التوت عن المكاتب الرسمية الغارقة في سباتها...
كفى نوماً في عاصفة الانتهاكات، اذ لا يمكن لبناء انتقالي أن يستقيم، ولا لشرعية سياسية أن تترسخ، إذا كانت عاجزة عن حماية الفلاح في حقله، والمواطن في بيته...
لذا:
فإن سياسة "اعمل نفسك نائماً" ليست حلاً دبلوماسياً، وليست مناورة سياسية، بل هي تفريط صريح بالسيادة وخذلان للشعب. على الحكومة الانتقالية ووزارتي الدفاع والداخلية الاستفاقة الفورية من هذا السبات، إن المطلوب اليوم ليس إعلان حرب لا تملك البلاد مقوماتها الحالية، بل اتخاذ مواقف سياسية ودبلوماسية حازمة، وتفعيل الحضور الأمني والعسكري الشرعي لحماية المواطنين، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه خروقات الاحتلال المستمرة.
إن صمت القبور الذي تلجأ إليه الجهات الرسمية لن يحميها من قسوة التاريخ، فالشعب السوري الذي دفع أثماناً باهظة من أجل حريته وكرامته، لن يقبل بأن تستبدل وصاية بأخرى، أو أن يرى أرضه مشاعاً لجيش الاحتلال، بينما حكام المرحلة يغطون في نوم عميق.