
بين الشيشكلي وبشار الأسد...
عندما تكشف العدالة حجم الجريمة:
ليس التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل هو ميزان يكشف كيف تتبدل معايير الدول والمجتمعات في التعامل مع الحكام بعد سقوطهم، وعندما نقارن ما جرى مع الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي بما يجري اليوم مع بشار الأسد، لا تبدو المقارنة بين شخصين فقط، بل بين مرحلتين مختلفتين من تاريخ سوريا، وبين مفهومين للمساءلة السياسية والأخلاقية...
بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي عام 1954، لم تتعامل الدولة السورية معه باعتباره رئيساً سابقاً يتمتع بحصانة دائمة، بل فتحت ملفات تتعلق بممارساته أثناء وجوده في السلطة، ومن بين الاتهامات التي وُجهت إليه اقتراض مبلغ قدره 7500 ليرة سورية من المصرف الزراعي، وحصوله مع شقيقه ممدوح على جرار زراعي من نوع "هانوماك" ومضخة مياه من ماركة "رويتز" وفق ترتيبات مالية اعتبرت محل مساءلة، إضافة إلى اتهامه بالاعتداء على الرقيب محمد علي ناجي بحري داخل سجن المزة عام 1952...
قد تبدو هذه المخالفات، بمقاييس اليوم، محدودة إذا ما قورنت بما شهدته سوريا خلال العقود الأخيرة، لكنها تعكس حقيقة مهمة، وهي أن الدولة السورية آنذاك رأت أن رئيس الجمهورية السابق يجب أن يخضع للقانون، وأن منصبه لا يمنحه حصانة أبدية...
وحين غادر الشيشكلي سوريا مروراً بلبنان ثم وصل إلى فرنسا، طالبت دمشق السلطات الفرنسية بتسليمه، غير أن باريس رفضت الطلب، ليس لأنها برأته من الاتهامات، بل لأنها قالت إنه دخل الأراضي الفرنسية بجواز سفر سعودي وباسم مختلف، هو "أديب الحسن"، وأن الشخص المطلوب لا وجود قانونياً له وفق الوثائق التي دخل بها...
هذه الواقعة، بما فيها من تفاصيل قانونية وسياسية، تكشف أن الدولة السورية كانت تسعى، على الأقل، إلى ملاحقة رئيس سابق بسبب مخالفات مالية وإساءة استعمال السلطة واعتداء جسدي على أحد العسكريين...
وعندما ننتقل إلى المشهد السوري المعاصر، تبدو الصورة مختلفة إلى حد يصعب معه استيعاب المفارقة، فبشار الأسد غادر السلطة بعد حرب امتدت سنوات، خلّفت مئات الآلاف من القتلى، وملايين اللاجئين والنازحين، ودماراً واسعاً طال المدن والبنى التحتية والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. كما وُجهت إلى نظامه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، إضافة إلى اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات وثقتها لجان تحقيق ومنظمات دولية، بينما ينفيها النظام السوري...
ورغم ضخامة هذه الملفات، وجد بشار الأسد حماية سياسية كاملة في روسيا، التي وفرت له الملاذ ورفضت أي مساعٍ لتسليمه أو محاسبته، في مشهد يعكس كيف أصبحت موازين العدالة الدولية مرتبطة إلى حد كبير بموازين القوة والنفوذ السياسي...
إن المقارنة هنا لا تهدف إلى تبرئة الشيشكلي أو التقليل من مسؤولياته، ولا إلى اختزال مرحلة الأسد في الجوانب القانونية وحدها، وإنما لإبراز حجم المفارقة، فرئيس سابق طورد بسبب قرض مصرفي، واستفادة من معدات زراعية، وواقعة اعتداء على أحد العسكريين، بينما يقيم رئيس آخر في حماية دولة عظمى رغم أن اسمه ارتبط بأحد أكثر الصراعات دموية في تاريخ سوريا الحديث، وبملفات لا تزال محل متابعة وتحقيق على المستوى الدولي...
هذه المقارنة تطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص وهو:
- هل العدالة تُقاس بحجم الجريمة، أم بميزان القوة السياسية؟..
- وهل يصبح القانون عاجزاً عندما يتعلق الأمر بمن يمتلك الحماية الدولية؟..
في تقديري:
لا يمكن بناء سورية جديدة من دون ترسيخ مبدأ واحد لا استثناء فيه، لا أحد فوق القانون، مهما كان موقعه أو نفوذه، فالعدالة ليست انتقاماً، كما أنها ليست انتقائية، وهي لا تكتمل بملاحقة المخالفات الصغيرة مع التغاضي عن الجرائم الكبرى، ولا بتسييس القضاء أو توظيفه لخدمة المنتصرين. وحدها العدالة المستقلة، القائمة على الأدلة والإجراءات القانونية السليمة، هي الكفيلة بإنصاف الضحايا، وحماية الدولة، ومنع تكرار المآسي التي عاشها السوريون عبر عقود.