
بين هندسة الولاء وضرورات الاستيعاب:
قراءة نقدية في "ثلث التعيين" البرلماني.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لا تبدو التعيينات التي جرت ضمن الحصة الممنوحة لرئاسة الجمهورية في مجلس الشعب مجرد إجراء إداري يهدف إلى سدّ فراغات تشريعية أو استكمال بنية مؤسسة قائمة، بل تبدو أقرب إلى اختبار سياسي مفتوح لحدود المرونة داخل النظام السياسي، ولمفهوم " الثقة " ذاته :
- إذ كيف تُمنح؟..
- وعلى أي أساس تُسحب؟ ..
- ومن يملك تعريفها أصلاً؟..
في ظاهرها، يمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها محاولة لاحتواء التباينات السياسية، وإدماج شخصيات كانت خارج السياق الرسمي أو حتى في مواجهته، ضمن إطار مؤسسات الدولة، هذا التفسير يقوم على منطق " البراغماتية السياسية" أي أن الدولة، في لحظات معينة، تحتاج إلى توسيع مظلة التمثيل، لا بهدف المكافأة أو المصالحة الشكلية، بل لتخفيف الاحتقان وإعادة ترتيب التوازنات داخل المجال العام...
لكن القراءة الأخرى، الأكثر حساسية وربما الأكثر قسوة، ترى في الأمر إشكالية أعمق من مجرد توسيع دائرة المشاركة، فالمفارقة التي تطرح نفسها بقوة هي:
- كيف يمكن لمن تبنّى مواقف راديكالية ضد بنية السلطة أو خطابها، أن يتحول سريعاً إلى جزء من بنيتها التشريعية دون أن يمرّ ذلك عبر مراجعة فكرية أو سياسية واضحة؟..
هنا يصبح السؤال ليس عن " حق المشاركة "، بل عن " معيار الثقة " ذاته، وعن مدى ثبات البوصلة السياسية لدى الفاعلين الجدد داخل المؤسسة...
المشكلة لا تكمن في فكرة الاستيعاب السياسي بحد ذاتها، فهي في جوهر أي نظام يسعى للاستقرار وتخفيف التوترات، إلا أن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تتحول هذه الآلية إلى ما يشبه إعادة تدوير للمواقف والشخصيات دون وضوح في المرجعيات، بحيث يغيب الحد الفاصل بين التحول الفكري الحقيقي وبين إعادة التموضع وفقاً لمعادلات النفوذ والمصلحة...
في هذه الحالة، تصبح السياسة أقرب إلى مساحة مرنة بلا حدود صلبة، حيث تتغير المواقع بسرعة تفوق قدرة الجمهور على الفهم أو المتابعة أو حتى الثقة. ومع تراكم هذا النمط، لا يعود السؤال:
- من داخل السلطة ومن خارجها؟
بل يصبح:
- هل هناك فعلاً فروق جوهرية بين الموقعين، أم أن الحدود بينهما أصبحت إدارية أكثر منها مبدئية؟..
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بنية سياسية ليس المعارضة الحادة، بل تآكل معيار المصداقية، فالدولة، أي دولة، لا تُقاس فقط بقدرتها على استيعاب الخصوم، بل بقدرتها على إنتاج معنى ثابت للالتزام السياسي، بحيث لا يبدو الانخراط في المؤسسات كتحول تكتيكي، بل كامتداد طبيعي لقناعة مستقرة...
في النهاية:
لا يمكن اختزال المسألة في ثنائية تبسيطية بين " مرونة مطلوبة" و"ثبات جامد" فالمطلوب ليس الجمود، بل الاتساق؛ وليس الإقصاء، بل وضوح المعايير. أما حين تتحول السياسة إلى فضاء لإعادة التموضع المستمر دون كلفة فكرية أو أخلاقية، فإن الخسارة الأكبر لا تكون في الأفراد، بل في الثقة العامة ذاتها، وهي رأس المال الأكثر هشاشة والأصعب تعويضاً في أي مشروع وطني.