--:--
سلاح الجو الإسرائيلي يعترض طائرة ركاب مدنية كانت متجهة إلى مطار بن غوريون بعد تفعيل رمز طوارئ أمني على متنها، قبل أن يُعلن لاحقًا أن السبب عطل فني #الجزيرة ( حوض اليرموك ): اشتباك ميداني وفقدان جهاز عسكري إسرائيلي خلال توغل جنوب سورية

الربيع العربي: بين ثورة الشعوب وصراع الخرائط

Salah Kirata • ١‏/٧‏/٢٠٢٦

53182.png


الربيع العربي:
 بين ثورة الشعوب وصراع الخرائط.
بقلم:

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليس من السهل، بعد أكثر من عقد على اندلاع ما عُرف بـ"الربيع العربي"، إصدار حكم قاطع على تلك المرحلة. فما حدث كان أكبر من أن يُختزل في شعار، وأعقد من أن يُفسَّر برواية واحدة، لقد كان حدثاً تاريخياً مفصلياً، تداخلت فيه إرادة الشعوب مع حسابات الدول، وامتزجت المطالب المشروعة بالمصالح الإقليمية والدولية، حتى غدا الفصل بين الثورة بوصفها فعلاً شعبياً، واستثمارها بوصفها فرصة جيوسياسية، أمراً بالغ الصعوبة...

في مطلع عام 2011، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول شرارة احتجاج محلية في مدينة تونسية صغيرة إلى أكبر موجة تغيير يشهدها العالم العربي منذ نهاية حقبة الاستعمار، لقد خرج الناس يطالبون بالكرامة والعدالة والحرية ومحاربة الفساد، وبقيام دولة تحترم مواطنيها. ولم تكن تلك المطالب مؤامرة، كما لم يكن ملايين المحتجين دمى تُحرَّك من الخارج؛ فالاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي كان حقيقياً، والنظم الحاكمة في عدد من الدول العربية كانت قد بلغت درجة من الجمود جعلت التغيير يبدو أمراً لا مفر منه...
غير أن التاريخ يعلمنا أن الثورات لا تعيش في فراغ، وأن الجغرافيا السياسية لا تسمح بحدوث زلزال بهذا الحجم من دون أن تسارع القوى الإقليمية والدولية إلى توجيه مساراته بما يخدم مصالحها، وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التي يغيب عنها كثير من النقاش الرصين...

ويكمن الخطأ في حصر تفسير الربيع العربي بين روايتين متناقضتين:

-  إما أنه ثورة شعبية خالصة...
 أو :
مؤامرة خارجية مكتملة الأركان...

 والحقيقة أن كلا التفسيرين، إذا قُدِّم منفرداً، يفتقر إلى الدقة؛ فالشرارة كانت داخلية بلا شك، لكن مسار الأحداث سرعان ما أصبح خاضعاً لتفاعلات إقليمية ودولية واسعة...
فمع ضعف الدولة في أكثر من بلد، سارعت القوى الخارجية إلى ملء الفراغ. دخل المال السياسي، وتدفقت الأسلحة، وظهرت شبكات إعلامية وحملات تعبئة، وتحولت ساحات الاحتجاج تدريجياً إلى ساحات صراع مسلح، ثم إلى حروب وكالة تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية، ومنذ تلك اللحظة، انتقل المشهد من صراع بين المجتمع والسلطة إلى صراع بين مشاريع نفوذ، وكان المواطن العربي الخاسر الأكبر...
قبل عام 2011، لم تكن الدول العربية تمثل نموذجاً مثالياً للحكم، فقد كانت تعاني اختلالات عميقة في الحريات والتنمية والعدالة وسيادة القانون، لكنها احتفظت "بدرجات متفاوتة " بمؤسسات دولة قائمة، وجيوش وطنية، وحدود مستقرة، وقدر من الأمن الاجتماعي، أما بعد سنوات الصراع، فقد شهدت دول عدة انهياراً غير مسبوق في مؤسساتها، وتفككاً في نسيجها الاجتماعي، وظهور كيانات مسلحة تنازع الدولة سلطتها، فضلاً عن موجات نزوح وهجرة تُعد الأكبر في التاريخ العربي الحديث...
ولا تعني هذه الوقائع أن الاستبداد كان حلاً، كما لا تعني أن المطالبة بالإصلاح كانت خطأ، لكنها تكشف حقيقة مؤلمة مفادها أن إسقاط السلطة أسهل بكثير من بناء الدولة...
فالدولة ليست شخصاً ولا حكومة، بل منظومة متكاملة من المؤسسات والقوانين والهوية الوطنية، وعندما تنهار هذه المنظومة، لا تولد الديمقراطية تلقائياً، بل قد تنشأ الفوضى إذا غابت القيادة الموحدة، والرؤية السياسية، والتوافق الوطني، والمؤسسات القادرة على إدارة المرحلة الانتقالية...
لقد استغلت قوى عديدة هذا الفراغ؛ فعززت إيران نفوذها في أكثر من ساحة، ووسعت تركيا حضورها العسكري والسياسي، بينما أعادت إسرائيل ترتيب بيئتها الاستراتيجية في ظل انشغال محيطها العربي بأزماته الداخلية، أما الولايات المتحدة وروسيا، فقد تعاملتا مع المنطقة باعتبارها ميداناً لإدارة التوازنات والمصالح أكثر من كونها مشروعاً لبناء الديمقراطيات،
وفي هذا السياق، كثيراً ما يُستشهد بمصطلحات مثل:

-  "الشرق الأوسط الجديد"...
و
"الفوضى الخلاقة"... 

ومن المهم التمييز بين الخطاب السياسي والوقائع التاريخية، فصحيح أن هذه المفاهيم ظهرت في أدبيات وسياسات أمريكية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأن مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن إعادة تشكيل المنطقة، إلا أن الربط بين جميع ما جرى وبين مخطط واحد محكم يظل طرحاً يصعب إثباته تاريخياً؛ فالسياسة الدولية لا تُدار وفق سيناريو مغلق، وإنما عبر استثمار الفرص التي تخلقها الأزمات...
ولعل الأدق أن نقول إن القوى الدولية لم تصنع أسباب الغضب الشعبي، لكنها أحسنت استثمار نتائجه عندما انفجر،
وهذا ما يفسر انحراف المسار في أكثر من بلد؛ فبدلاً من أن تتجه الأولوية نحو بناء دولة المواطنة، تصاعدت الانقسامات الطائفية والعرقية والقبلية، وأصبح السلاح لغة السياسة، بينما تضاعفت التدخلات الخارجية بصورة غير مسبوقة...
باختصار:
  لقد خسر الجميع تقريباً؛ خسرت الأنظمة التي سقطت، وخسرت معارضات عجزت عن إنتاج بديل وطني جامع، وخسرت المجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة من الدم والاقتصاد والاستقرار، كما خسر المشروع العربي سنوات طويلة من التنمية والقدرة على التأثير...
لكن الخسارة الأكبر تمثلت في تراجع مفهوم الدولة الوطنية نفسها، فحين تتآكل المؤسسات، تضعف الحدود، وتتقدم الولاءات الفرعية على الهوية الجامعة، ويتوزع القرار الوطني بين قوى داخلية وخارجية متعددة.
ومن هنا، فإن الدرس الحقيقي لا يتمثل في رفض التغيير، كما لا يتمثل في تمجيد الفوضى. فالشعوب التي تتخلى عن حقها في الإصلاح تحكم على نفسها بالجمود، لكن الشعوب التي تُسقط دولها من دون مشروع وطني جامع قد تخسر الدولة والحرية معاً.
إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقيادة سياسية واعية، ومجتمع قادر على حماية وحدته الوطنية، وإلى إدراك عميق بأن الصراعات الداخلية في منطقة بهذه الحساسية الجيوسياسية لا تبقى داخلية طويلاً...
لقد أثبتت التجربة أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً، وأن كل مساحة ينسحب منها الداخل تملؤها قوى الخارج. وهذه ليست خصوصية عربية، بل قاعدة مستقرة في العلاقات الدولية...
وبعد سنوات طويلة، لم يعد السؤال الأهم: 
- هل كان الربيع العربي ثورة أم مؤامرة؟..
 بل أصبح السؤال الأكثر جدوى: 
- لماذا عجزت الدول العربية عن تحويل المطالب الشعبية المشروعة إلى إصلاح سياسي مستدام؟..
-  ولماذا نجحت القوى الخارجية في توظيف الأزمات العربية أكثر مما نجح العرب في إدارتها؟..
إن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي سترسم مستقبل المنطقة، لا الجدل العقيم حول روايات الماضي،فالنهضة لا تُبنى بإنكار أخطاء الأنظمة، كما لا تُبنى بإنكار التدخلات الخارجية، وإنما بوعي سياسي يرفض الاستبداد، ويرفض في الوقت نفسه تحويل الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية، لذا
فإن الدولة القوية ليست نقيض الحرية، كما أن الحرية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر فوق أنقاض الدولة. وبين هذين المبدأين فقط، يستطيع العالم العربي أن يجد طريقه نحو مستقبل لا يكون فيه رهينة للاستبداد، ولا ضحية للفوضى.