--:--
سلاح الجو الإسرائيلي يعترض طائرة ركاب مدنية كانت متجهة إلى مطار بن غوريون بعد تفعيل رمز طوارئ أمني على متنها، قبل أن يُعلن لاحقًا أن السبب عطل فني #الجزيرة ( حوض اليرموك ): اشتباك ميداني وفقدان جهاز عسكري إسرائيلي خلال توغل جنوب سورية

حين يرتدي نتنياهو عباءة المنقذ... ويكشف المأزق نفسه

Salah Kirata • ١‏/٧‏/٢٠٢٦

53186.png

حين يرتدي نتنياهو عباءة المنقذ...                                 ويكشف المأزق نفسه:

من يتابع خطابات رئيس الوزراء الإسرائيلي  في الآونة الأخيرة، لا يكاد يميز بين خطاب سياسي وخيال روائي بطلُه رجل يعتقد أنه يمسك بخيوط الشرق الأوسط جميعها، فهو يتحدث وكأن إسرائيل أصبحت المرجعية التي تحدد مصائر الدول، وتقرر من يحكم، ومن يملك القوة، ومن يجب أن يبقى ضعيفًا، ومن يستحق الحماية. إنها صورة يصنعها نتنياهو لنفسه بعناية، لكنه كلما بالغ في رسمها، ازداد انكشاف التناقض الكامن خلفها...

فالخطاب الذي يحاول أن يقدم إسرائيل باعتبارها القوة التي أعادت تشكيل المنطقة، لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس قلقًا عميقًا، والدول الواثقة من استقرارها لا تحتاج إلى الإعلان في كل مناسبة أنها أنقذت نفسها، أو أنها وحدها تمنع انهيار الإقليم، أما الدول التي تشعر بأن أمنها هش، فإنها تميل إلى تحويل القوة العسكرية إلى استعراض دائم، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنع الآخرين...

في حديثه عن سورية، يتصرف نتنياهو وكأن الجغرافيا السورية أصبحت ساحة مفتوحة لإثبات التفوق الإسرائيلي، متحدثًا عن اختراقات عسكرية، ونفوذ ميداني، وحماية لأقليات ومكونات اجتماعية، في محاولة لإضفاء بعد أخلاقي على تدخلات لا يمكن فصلها عن حسابات الأمن الإسرائيلي البحتة. لكن التاريخ يعلمنا أن تحويل أراضي الآخرين إلى مسرح دائم للعمليات العسكرية لا يصنع أمنًا طويل الأمد، بل يراكم أسباب الصراع ويؤجل انفجاره فقط...

ومن اللافت هنا:
 أن هذا الخطاب يحاول إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه؛ فبدل أن يكون الأمن قائمًا على الاستقرار الإقليمي واحترام سيادة الدول، يصبح مرهونًا بقدرة إسرائيل على التدخل كلما رأت ذلك مناسبًا، وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن الدولة التي تعلن أنها الأقوى في المنطقة تبدو الأكثر انشغالًا بمراقبة كل ما يجري حولها، والأكثر استعدادًا لاستخدام القوة في كل اتجاه، وكأنها تخشى أن يؤدي أي تغير في موازين القوى إلى اهتزاز معادلة التفوق التي بنتها عبر عقود...

ويتجلى هذا القلق بصورة أوضح في الخطاب المتكرر حول إيران، فنتنياهو لا يكتفي بالحديث عن مواجهة مشروع نووي، بل يصور نفسه باعتباره الرجل الذي أنقذ إسرائيل من فناء محقق، ويكرر هذه الرواية بوصفها مصدرًا دائمًا لشرعيته السياسية. غير أن الإصرار على تكرار قصة "النجاة الوجودية" يكشف، في جانب منه، حجم الهواجس التي تحكم العقل السياسي الإسرائيلي. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى استحضار الخطر في كل خطاب، ولا إلى تذكير جمهورها بأنها تخوض معركة البقاء كل يوم...

وفي السياق نفسه، يمتد الخطاب إلى تركيا، حيث يهاجم نتنياهو طموحاتها الإقليمية، ويقدم إسرائيل باعتبارها الحارس الحقيقي للنظام الإقليمي في مواجهة ما يصفه بالتطرف. والمفارقة أن الرجل الذي يرفض استدعاء التاريخ حين يخدم خصومه، لا يجد حرجًا في استحضاره عندما يخدم الرواية الإسرائيلية، وهي ازدواجية لا تخفى على أحد، وتعكس انتقائية سياسية أكثر مما تعكس قراءة موضوعية للواقع.

أما مصر، فتظهر في خطابه باعتبارها شريكًا أمنيًا يلتزم بما تقتضيه الاتفاقيات القائمة، في محاولة للإيحاء بأن إسرائيل هي الطرف الذي يحدد قواعد اللعبة الإقليمية. غير أن مثل هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الدول الكبرى لا تُختزل في اتفاقية أو تفاهم أمني، وأن سياساتها تُبنى على حسابات سيادية ومصالح وطنية معقدة، لا على الإملاءات أو التصورات التي يحاول بعض الساسة تسويقها لجمهورهم الداخلي...

في تقديري:
 فإن أخطر ما في خطاب نتنياهو ليس ما يقوله عن خصومه، بل ما يكشفه عن إسرائيل نفسها، فحين يتحول رئيس حكومة إلى بطل أوحد في رواية لا تنتهي، يصبح ذلك مؤشرًا على أزمة أكثر منه دليلًا على التفوق... فالاستعراض المستمر للقوة غالبًا ما يكون الوجه الآخر للشعور بانعدام اليقين، ومحاولة تعويض نقص الاستقرار الداخلي بإظهار فائض من الهيمنة الخارجية...

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة الأمن، وأن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة تفوقًا سياسيًا أو أخلاقيًا. فالدول التي تبني استراتيجياتها على فرض الإرادة بالقوة قد تحقق مكاسب آنية، لكنها في الوقت نفسه تراكم عوامل الاستنزاف والعزلة وتوسّع دائرة الخصوم...

إن نتنياهو يحاول أن يرتدي عباءة "منقذ الشرق الأوسط"، لكن هذه العباءة تبدو، مع كل خطاب جديد، أكثر اهتراءً، فالأمن لا يُبنى بالغطرسة، ولا تُدار المنطقة بمنطق الوصاية، ولا يمكن لأي دولة أن تحتكر حق تقرير مصير الآخرين إلى الأبد. والتاريخ، الذي يستحضره الجميع حين يناسبهم، يحمل درسًا ثابتًا لا يتغير: الكيانات التي تعتقد أن القوة وحدها تكفي لصناعة المستقبل، تكتشف في النهاية أن أول ما يهزمها هو الوهم الذي صنعته عن نفسها.