--:--
سلاح الجو الإسرائيلي يعترض طائرة ركاب مدنية كانت متجهة إلى مطار بن غوريون بعد تفعيل رمز طوارئ أمني على متنها، قبل أن يُعلن لاحقًا أن السبب عطل فني #الجزيرة ( حوض اليرموك ): اشتباك ميداني وفقدان جهاز عسكري إسرائيلي خلال توغل جنوب سورية

بين الرصاص والسلطة: كيف أعادت سنوات 1979–1982 تشكيل الدولة السورية

Salah Kirata • ١‏/٧‏/٢٠٢٦

52939.png

بين الرصاص والسلطة:
 كيف أعادت سنوات 1979–1982 تشكيل الدولة السورية؟

الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية في ثلاثة أجزاء

(من مدرسة المدفعية إلى تشكّل الدولة الأمنية)

ردّ الدولة: 
من الصدمة إلى الحسم.
لم تستغرق الاستجابة الرسمية السورية بعد حادثة مجزرة المدفعية في حلب في 16 حزيران 1979 وقتاً طويلاً حتى تتحول من ردّ أمني محدود إلى مسار شامل لإعادة تعريف طبيعة الدولة ذاتها...

ففي الأيام والأسابيع التي تلت العملية، بدا واضحاً أن السلطة قرأت الحدث ليس باعتباره اختراقاً أمنياً معزولاً، بل بوصفه إعلان انتقال إلى مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز حدود الملاحقات التقليدية إلى إعادة تشكيل قواعد التعامل مع المعارضة السياسية والمسلحة على حد سواء...

بدأت حملات الاعتقال على نطاق واسع في عدد من المدن السورية، واستهدفت دوائر يُشتبه بارتباطها بتنظيمات إسلامية، أو بتقديم الدعم اللوجستي والسياسي لها، وفي هذا السياق، تم تقديم عدد من القضايا إلى محكمة أمن الدولة العليا ومحاكم عسكرية استثنائية، صدرت عنها أحكام بالإعدام والسجن الطويل.

وفي 28 حزيران 1979، أعلنت السلطات تنفيذ أحكام إعدام بحق مجموعة من المتهمين، نُفذت في اليوم التالي 29 حزيران، في واحدة من أوائل الإشارات إلى دخول الدولة مرحلة “الحسم القضائي الاستثنائي” في مواجهة ما اعتبرته تهديداً وجودياً...

ومن بين الأسماء التي وردت في تلك المرحلة، وفق ما أوردته الروايات الرسمية والوثائق المتداولة آنذاك، المهندس عبد العزيز الشيخ، والدكتور مصطفى الأعوج، والمهندس رياض جعمور، إضافة إلى أفراد من عائلة علواني في حماة. وقد نُسب إليهم في ملفات الاتهام الانتماء إلى تنظيمات إسلامية معارضة، بعضها مرتبط بـ«الإخوان المسلمين» وبعضها الآخر بـ«الطليعة المقاتلة»، أو تقديم الدعم لها...

ومع أن تفاصيل الأدوار الفردية لكل منهم بقيت محل نقاش في الأدبيات التاريخية اللاحقة، فإن الثابت سياسياً أن تنفيذ هذه الأحكام حمل رسالة واضحة: أن الدولة انتقلت من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الردع المفتوح.

*من تنظيم سياسي إلى تهديد أمني شامل:

في هذه اللحظة تحديداً بدأ التحول الأخطر في تعريف “الخصم السياسي” داخل سورية...

فحتى نهاية السبعينيات، كان بالإمكان نظرياً الحديث عن معارضة سياسية متنوعة تضم تيارات يسارية وقومية وإسلامية. لكن بعد 1979، بدأت السلطة في إعادة تصنيف هذه التعددية تحت عنوان واحد متسع: "التهديد الأمني "...

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل كان تغييراً في بنية الدولة القانونية والسياسية، إذ جرى الانتقال من التعامل مع المعارضة بوصفها أطرافاً سياسية، إلى التعامل معها بوصفها امتدادات محتملة لتنظيمات مسلحة.

* وفي هذا السياق، بدأ التمييز يتبلور بين:

- تنظيم الإخوان المسلمين كإطار سياسي/دعوي أوسع.
- "الطليعة المقاتلة" كجناح مسلح تبنى استراتيجية الاغتيال والعمل السري.

لكن على أرض الواقع، ومع تصاعد العنف المتبادل، تراجعت هذه الفوارق تدريجياً في الخطاب الأمني الرسمي، لصالح تصور أكثر شمولاً يعتبر أن البنية المعارضة بمجملها جزء من تهديد واحد...

القانون 49: 
نقطة التحول القانونية الحاسمة.

في عام 1980، جاء القانون رقم 49 ليشكل منعطفاً بالغ الأهمية في بنية المواجهة...

فقد نصّ القانون على أن الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين يُعاقب بالإعدام، وهو ما مثّل انتقالاً نوعياً من ملاحقة الأفعال إلى تجريم الانتماء ذاته...

من منظور قانوني، مثّل هذا التحول خروجاً عن منطق العدالة الجنائية التقليدية، ودخولاً في منطق “الردع الوجودي”، حيث لم يعد السؤال: 
- ماذا فعل الفرد؟..
بل: 
- إلى أي بنية ينتمي؟..

ومن منظور سياسي، منح هذا القانون السلطة إطاراً قانونياً واسعاً لإعادة هندسة المجال العام، وتقليص أي إمكانية لعودة التنظيم السياسي المعارض في شكله التقليدي.

*الدولة بين الأمن والمجتمع.

منذ تلك اللحظة، بدأت ملامح دولة جديدة تتشكل تدريجياً:
- لم يعد الجيش مجرد مؤسسة دفاعية، بل أصبح جزءاً من منظومة أمن داخلي واسعة...
- وتوسعت الأجهزة الأمنية في دورها، لتتحول من أدوات ضبط محدودة إلى شبكة مركزية لإدارة المجال السياسي والاجتماعي...

وفي المقابل:
 تراجعت المؤسسات المدنية، ليس فقط نتيجة القمع المباشر، بل أيضاً نتيجة إعادة تعريف مفهوم " العمل السياسي المشروع "...

هذا التحول البنيوي لا يمكن اختزاله في قرار واحد أو شخص واحد، بل هو نتيجة تفاعل بين تصاعد العنف من جهة، ومنطق الدولة في التعامل مع التهديد من جهة أخرى...

جدلية العنف: 
الدولة والمعارضة.

من منظور تحليلي، يمكن القول إن سورية دخلت منذ أواخر السبعينيات في حلقة متبادلة من العنف:

- عنف مسلح من جانب تنظيمات معارضة، اتخذ في بعض مراحله طابع الاغتيال والاستهداف الأمني...
- وعنف دولتي متصاعد، اتسع من الاستهداف الأمني إلى إعادة تشكيل بنية الدولة القانونية والمؤسساتية...

في هذه الجدلية، لم يعد بالإمكان فصل الفعل عن رد الفعل بسهولة، إذ أصبح كل طرف جزءاً من إعادة إنتاج منطق التصعيد...
لكن ما يميز الدولة في هذه المرحلة هو أنها امتلكت تفوقاً تنظيمياً ومؤسساتياً مكّنها من تحويل الرد الأمني إلى مشروع دولة كامل، لا مجرد رد فعل ظرفي...

قراءة استراتيجية أولى:

من منظور الاستراتيجية السياسية، لا يمكن فهم ما جرى دون إدراك أن الدولة السورية في تلك المرحلة كانت تواجه تهديداً مركباً:

- تهديداً أمنياً مباشراً تمثل في الاغتيالات والعمل المسلح.
- وتهديداً سياسياً تمثل في أزمة شرعية داخلية متراكمة...

في المقابل، واجهت بعض التنظيمات المعارضة انسداداً سياسياً جعلها تعتقد أن تغيير النظام لا يمكن أن يتم إلا عبر القوة...

وهكذا تلاقت قراءتان متناقضتان للواقع، أنتجتا مساراً تصاعدياً من العنف، انتهى بإعادة تعريف الدولة نفسها.

تمهيد للحلقة الثالثة
مع نهاية هذه المرحلة، لم يعد السؤال المطروح في سورية يتعلق بإدارة أزمة سياسية، بل بإعادة بناء الدولة على أسس أمنية جديدة، وهو ما سيتضح بصورة أكثر حدة في الحلقة الثالثة التي ستتناول:

كيف انتهت هذه المواجهة في حماة 1982، ولماذا يمكن القول إن النظام انتصر عسكرياً لكنه أعاد تشكيل الدولة بطريقة غير قابلة للعودة إلى ما قبل 1979؟