
بين الرصاص والسلطة:
كيف أعادت سنوات 1979–1982 تشكيل الدولة السورية؟
سلسلة مقالات سأقدمها على حلقات تدور حول فكرة واحدة وتؤرخ لفترة شكلت تحولا خطيرا في تاريخ سورية، مهدت إلى الحرب الأهلية و لوصول هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من جماعات إسلامية ذات خلفية جهادية لسدة الحكم في سورية.
بقلم :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
الحلقة الأولى من سلسلة تحليلية في ثلاثة أجزاء
تمهيد:
هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة من ثلاث مقالات تحليلية تتناول واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وإثارة للجدل في التاريخ السوري الحديث، وهي المرحلة الممتدة بين عامي 1979 و1982، التي أعادت رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وغيرت بنية السلطة ومؤسساتها، وألقت بظلالها على الحياة السياسية السورية لعقود لاحقة...
لا أسعى شخصيا من خلال هذه السلسلة إلى الانتصار لرواية ضد أخرى، ولا إلى تبرئة طرف أو إدانته مسبقاً، بل إلى تقديم قراءة تستند إلى الوقائع التاريخية الموثقة، مع التمييز بين ما تثبته الوثائق، وما يبقى مجالاً لاجتهاد المؤرخين والباحثين، فالأحداث الكبرى لا تُفهم من خلال الشعارات، وإنما من خلال قراءة السياق الذي أنتجها، وتحليل القرارات التي دفعت إليها، والنتائج التي ترتبت عليها...
ولعل أكبر خطأ ارتُكب في تناول تلك المرحلة هو اختزالها في سؤال واحد هو :
- من بدأ العنف؟..
- بينما يكمن السؤال الأهم في فهم الكيفية التي وصلت بها سورية إلى لحظة أصبح فيها السلاح بديلاً عن السياسة، والمحاكم الاستثنائية بديلاً عن القضاء، والأمن بديلاً عن المؤسسات...
* عندما تغيرت الدولة :
لا تتغير الدول دائماً بفعل الحروب الخارجية، ففي كثير من الأحيان، تكون التحولات الكبرى نتاج أزمات داخلية تعيد صياغة مفهوم السلطة، وتغير وظيفة الجيش، وتعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة. وسوريا بين عامي 1979 و1982 تقدم مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة...
فما جرى خلال تلك السنوات لم يكن مجرد مواجهة أمنية بين السلطة وتنظيمات إسلامية مسلحة، كما لم يكن مجرد انتفاضة سياسية ضد نظام حكم، لقد كان صداماً بين مشروعين متناقضين، حمل كل منهما قناعاً سياسياً، بينما كان المجتمع السوري هو الساحة التي دُفع فيها الثمن الأكبر...
عندما انتهت تلك المواجهة، كانت سورية قد دخلت مرحلة جديدة من تاريخها، بعد أن أصبحت الأجهزة الأمنية أكثر حضوراً في الحياة العامة، واتسعت صلاحياتها، وتراجع الدور السياسي للمؤسسات المدنية، وأعيد تشكيل العلاقة بين الجيش والسلطة، وأصبحت فكرة "أمن النظام" تتقدم، في التطبيق العملي، على كثير من وظائف الدولة التقليدية...
ولذلك فإن دراسة هذه المرحلة ليست بحثاً في الماضي فحسب، وإنما محاولة لفهم كثير من الظواهر التي رافقت الدولة السورية خلال العقود التالية...
- سورية قبل الانفجار :
لم تبدأ الأزمة في السادس عشر من حزيران عام 1979، يوم وقعت حادثة كلية المدفعية في حلب، كما أنها لم تبدأ مع ظهور "الطليعة المقاتلة"، فالانفجار كان نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية وأمنية بدأت قبل ذلك بسنوات...
فبعد "الحركة التصحيحية" عام 1970، نجح الرئيس حافظ الأسد في تثبيت أركان السلطة وإنهاء الصراعات الحادة داخل حزب البعث والمؤسسة العسكرية، وهي الصراعات التي أنهكت الدولة خلال عقد الستينيات، ومن منظور بناء السلطة، حقق النظام قدراً من الاستقرار بعد سنوات من الانقلابات المتلاحقة، كما عزز حضور مؤسسات الدولة، وكرس مركزية القرار السياسي والعسكري...
غير أن هذا الاستقرار حمل في داخله مفارقة أساسية، فكلما ازدادت قدرة الدولة على فرض النظام، تقلصت في المقابل مساحة المشاركة السياسية. ومع مرور السنوات، أصبح المجال العام أكثر انغلاقاً، وتراجعت قدرة الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع على التأثير في القرار، في ظل استمرار حالة الطوارئ واتساع صلاحيات الأجهزة الأمنية...
وزادت عوامل أخرى من حدة الاحتقان، من بينها التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976، الذي أثار اعتراضات داخل بعض الأوساط السياسية والشعبية، فضلاً عن تصاعد الشكاوى من الفساد الإداري والاقتصادي، وشعور قطاعات من المجتمع بالتهميش السياسي...
في تلك البيئة، بدأت المعارضة تأخذ أشكالاً متعددة، فهناك معارضة مدنية طالبت بإصلاحات دستورية وسياسية، وأخرى يسارية وقومية انتقدت احتكار السلطة، وفي المقابل برز تيار إسلامي رأى أن النظام فقد شرعيته، وأن التغيير السلمي لم يعد ممكناً...
* وهنا بدأت إحدى أكثر المحطات حساسية في التاريخ السوري الحديث:
- من الاحتجاج إلى السلاح:
في العلوم السياسية، لا يولد العنف المسلح في فراغ، فهو غالباً نتاج تفاعل معقد بين الانسداد السياسي، والتعبئة الأيديولوجية، والظروف الإقليمية، وقرارات تتخذها أطراف متعددة في لحظات مفصلية...
شهدت سورية في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين تصاعداً في نشاط مجموعات إسلامية اتجه بعضها إلى تبني العمل المسلح، ومن أبرز هذه المجموعات تنظيم "الطليعة المقاتلة"، الذي ارتبط باسم مروان حديد، ثم برز لاحقاً قادة مثل عدنان عقلة في قيادته العملياتية، وفي الوقت نفسه، بقي تنظيم الإخوان المسلمين تنظيماً أوسع وأكثر تنوعاً في بنيته، وشهد داخله نقاشات واختلافات حول طبيعة المواجهة مع السلطة، وهو ما يجعل التمييز بين التنظيمين ضرورياً لفهم تلك المرحلة، إذ لم تكن العلاقة بينهما دائماً علاقة تطابق كامل، رغم وجود تداخل في بعض المراحل والأشخاص...
وخلال الأعوام التي سبقت حادثة كلية المدفعية، شهدت البلاد سلسلة من أعمال العنف والاغتيالات التي استهدفت مسؤولين حكوميين وعسكريين وأمنيين، وردت السلطة عليها بحملات اعتقال وملاحقة، ما أدى إلى تصاعد دائرة المواجهة تدريجياً...
عموماً:
كانت سورية، في تلك اللحظة، تقف على حافة أزمة كبرى، لكن أحداً لم يكن يتوقع أن تتحول حادثة واحدة إلى نقطة انعطاف ستغير تاريخ الدولة لعقود تالية...
- يوم السادس عشر من حزيران 1979
في صباح ذلك اليوم، صعقت سورية بخبر هزَّ مؤسساتها العسكرية والسياسية معاً، ففي كلية المدفعية في مدينة حلب، وقعت العملية التي عُرفت لاحقاً باسم "مجزرة كلية المدفعية"، عندما قُتل عدد كبير من طلاب الضباط داخل المدرسة في واحدة من أخطر العمليات المسلحة التي شهدتها البلاد منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة...
تجمع معظم الدراسات التاريخية على أن العملية مثلت اختراقاً أمنياً بالغ الخطورة، وأحدثت صدمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية، كما تشير غالبية المصادر إلى أن النقيب إبراهيم اليوسف لعب دوراً محورياً في تنفيذها، بينما نُسب التخطيط والقيادة العامة للعملية إلى قيادات في "الطليعة المقاتلة"، مع بقاء بعض التفاصيل محل نقاش بين الباحثين...
ولم يكن حجم الخسائر البشرية وحده هو ما جعل تلك العملية مفصلية، بل الرسالة السياسية والأمنية التي حملتها، فقد أدركت السلطة أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة، وأن خصومها لم يعودوا يكتفون بالعمل السري أو الاغتيالات المحدودة، بل أصبحوا قادرين على استهداف واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية حساسية...
في المقابل:
رأت الجماعات المسلحة في العملية إعلاناً عن انتقال الصراع إلى مستوى مختلف، يقوم على المواجهة المباشرة مع الدولة...
وهكذا، خلال اقل من عشرين دقيقة دخلت سورية مرحلة جديدة لم تعد فيها السياسة هي اللغة الوحيدة للصراع، بل أصبح السلاح هو اللغة الغالبة، وهي لحظة ستحدد مسار الأحداث خلال السنوات الثلاث التالية.
يتبع في الجزء الثاني...