
بين سلطة الفتوى وسلطة المدفع...
من يملك حق إصدار حكم الموت؟:
في تاريخ الأمم لحظات لا تعود فيها السياسة مجرد إدارة لشؤون الدولة، ولا يبقى الدين مجرد منظومة روحية وأخلاقية، بل يتحول كلاهما إلى سلاح في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا، وتصبح الكلمة فيها موازية للرصاصة، والفتوى نقيضًا للمدفع، أو امتدادًا له بوسيلة أخرى...
من تلك اللحظات ما شهدته المنطقة العربية في صيف عام 1983، حين نشرت مجلة (دير شبيغل) الألمانية حوارًا مع مفتي القدس، الشيخ سعد الدين العلمي، في ذروة واحدة من أكثر مراحل الصراع السوري دموية واضطرابًا، لم يكن الحوار مجرد لقاء صحفي مع شخصية دينية بارزة، بل كان وثيقة سياسية بامتياز، تكشف كيف يمكن للأحداث الكبرى أن تعيد تشكيل لغة الفقه نفسها...
سأل الصحفي الألماني الشيخ عن دعوته الصريحة إلى اغتيال الرئيس السوري حافظ الأسد، وهو سؤال بدا صادمًا حتى وفق معايير تلك المرحلة المضطربة، إلا أن الجواب جاء أكثر صراحة وحسمًا؛ إذ أكد المفتي أنه دعا السوريين إلى قتل من اعتبره مسؤولًا عن قتل أبناء وطنه، مستندًا إلى فهمه لمبدأ القصاص في الشريعة الإسلامية، ومعتبرًا أن ما جرى في سورية، ولا سيما في حماة، تجاوز كل الحدود التي يمكن معها الحديث عن التسامح أو العفو...
وحين حاول الصحفي أن يستحضر مبادئ الإسلام الداعية إلى الرحمة والتسامح، أجابه الشيخ بأن احترام النفس الإنسانية هو أصل الشريعة، وأن من يهدر حياة الأبرياء يسقط، في نظره، الحصانة الأخلاقية التي تمنع الدعوة إلى القصاص...
وكان اللافت في الحوار أن المفتي لم يقدّم القضية بوصفها نزاعًا مذهبيًا بين سنة وعلويين، بل بوصفها قضية تتعلق، بحسب رؤيته، بقتل المدنيين واستخدام القوة العسكرية ضد المدن، وهو ما أراد أن يضفي على فتواه بعدًا إنسانيًا يتجاوز الانتماءات الطائفية.
غير أن قراءة هذا الحوار بعد أكثر من أربعة عقود تفرض سؤالًا أكثر أهمية من مضمون الفتوى نفسها:
- هل يجوز أن تتحول المرجعية الدينية إلى جهة تصدر أحكامًا بالقتل في نزاع سياسي؟
شخصيا اجنح إلى التالي :
- فقهيًا:
تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا مما توحي به حرارة الأحداث، فالتراث الإسلامي، على اختلاف مدارسه، حصر تنفيذ العقوبات وإقامة القصاص في سلطة القضاء والدولة، بعد استيفاء شروط الإثبات والمحاكمة وضمانات العدالة، أما الدعوة إلى الاغتيال السياسي عبر فتوى أو تصريح إعلامي، فهي تفتح بابًا يصعب إغلاقه، لأنها تنقل حق استخدام القوة من المؤسسة إلى الأفراد، ومن القضاء إلى الاجتهاد الشخصي، وهو ما يقود، في النهاية، إلى شرعنة الفوضى مهما كانت الدوافع نبيلة...
في المقابل:
لا يمكن فصل الفتوى عن سياقها التاريخي، فقد صدرت بعد عام واحد فقط من أحداث حماة عام 1982، وفي ذروة الاحتقان العربي تجاه السياسة السورية في لبنان، وفي مرحلة كانت صور الدمار والضحايا لا تزال حاضرة في الوعي العربي، ولذلك لم تكن الفتوى مجرد اجتهاد فقهي، بل كانت أيضًا موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يراد منه نزع الشرعية عن النظام السوري أمام الرأي العام العربي والإسلامي...
وهنا تبدأ الإشكالية التاريخية الأكثر تعقيدًا؟!.
- فأنصار النظام السوري:
ينطلقون من حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الدولة كانت تواجه تمردًا مسلحًا واسع النطاق، بدأ باغتيالات وتفجيرات وعمليات استهدفت مسؤولين ومؤسسات عسكرية ومدنية، وكان أبرزها حادثة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، التي مثلت نقطة تحول خطيرة في الصراع. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن الدولة لم تكن تخوض حربًا ضد مجتمعها، بل كانت تواجه محاولة لإسقاطها بالقوة، وأن استخدام الجيش كان، من منظورهم، دفاعًا عن بقاء الدولة ومنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية شاملة...
- في المقابل:
ترى المعارضة السورية، ومعها عدد كبير من الباحثين والمؤرخين، أن الدولة امتلكت الحق في مواجهة التمرد المسلح، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من مشروعيتها عندما تجاوزت حدود الضرورة الأمنية، فلجأت إلى استخدام قوة غير متناسبة، وأوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين، وأدخلت البلاد في مرحلة أصبح فيها العقاب جماعيًا أكثر منه استهدافًا للمسلحين...
إلا أني وللأمانت والحقيقة في آن معاً أرى أن الروايتين تتضمنان عناصر لا يمكن إنكارها، فقد شهدت سورية بالفعل تمردًا مسلحًا استهدف مؤسسات الدولة، كما شهدت أيضًا استخدامًا واسعًا للقوة خلّف آثارًا إنسانية وسياسية ما زالت موضع نقاش حتى اليوم...
ومن هنا:
فإن اختزال تلك المرحلة في ثنائية ( جلاد وضحية ) لا يخدم الحقيقة التاريخية بقدر ما يخدم الانحياز السياسي، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من الشعارات، وأكثر مقاومة للأحكام المطلقة...
لأن الدولة لا تفقد حقها في الدفاع عن نفسها عندما تواجه تمردًا مسلحًا، لكنها قد تفقد جزءًا من شرعيتها إذا تجاوزت حدود القانون والضرورة والتناسب، وفي المقابل، فإن معارضة الاستبداد لا تكتسب شرعية مطلقة إذا اتخذت من الاغتيال والإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية...
وهذا هو الدرس الذي تكشفه تلك المرحلة بكل قسوتها؛ فحين يعلو صوت المدفع على صوت القانون، وتصبح الفتوى ردًا على المدفع، يكون الجميع قد خسر شيئًا من شرعيته، وتكون الدولة والمجتمع معًا قد دخلا منطقة رمادية تختلط فيها العدالة بالرغبة في الانتقام، والحق بالقوة...
باختصار:
كانت فتوى الشيخ سعد الدين العلمي تعبيرًا عن غضب أخلاقي وسياسي في لحظة تاريخية استثنائية، لكنها، من منظور الدولة الحديثة والفقه المؤسسي، تظل مثالًا على خطورة انتقال سلطة إصدار أحكام الموت من القضاء إلى المنابر السياسية أو الدينية...
ولعل التاريخ، بعد أن هدأت ضوضاء تلك السنوات، يقدّم درسًا أكثر حكمة مما قدمه المتصارعون أنفسهم، فالدول لا يحميها الإفراط في القوة، كما أن العدالة لا يصنعها الاغتيال، وما بين المدفع والفتوى، يظل القانون العادل هو السلاح الوحيد القادر على حماية الدولة والإنسان في آنٍ واحد.