
لا يمكن اختزال ما جرى في درعا عام 2011 في شخص واحد، كما لا يمكن إعفاء من كان في موقع القرار من مسؤوليته. فمحاكمة عاطف نجيب ليست محاكمة لبداية الأحداث فحسب، بل اختبار لقدرة سوريا على الانتقال من منطق السلطة الأمنية إلى منطق سيادة القانون.
تشير كثير من الشهادات والتقارير إلى أن أسلوب التعامل مع حادثة أطفال درعا، وما أعقبه من اعتقالات وتعذيب واستخدام للقوة ضد الاحتجاجات الأولى، أسهم بصورة كبيرة في تسريع انفجار الأزمة. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين المسؤولية السياسية، التي تتعلق بالسياسات العامة وطبيعة النظام، والمسؤولية الجنائية التي يجب أن تُبنى حصراً على الأدلة، وإثبات الأفعال، ومسؤولية القيادة وفق الأصول القانونية، لا على الانطباعات أو الرغبة في تحميل فرد واحد وزر مرحلة كاملة.
ومن منظور إداري وأمني بحت، كان من الممكن احتواء الأزمة في بدايتها بوسائل أقل كلفة: احترام مكانة الوجهاء، الإفراج السريع عن الأطفال، وتجنب استخدام القوة المميتة. مثل هذه الخيارات لم تكن خروجاً على هيبة الدولة، بل كانت كفيلة بتجنيب البلاد مساراً بالغ الكلفة.
غير أن القيمة الحقيقية للمحاكمة لا تكمن في إصدار حكم بالإدانة أو البراءة، وإنما في الطريقة التي تُدار بها. فإذا التزمت المحكمة بالاستقلال، وحق الدفاع، وعلنية الإجراءات، والاعتماد على الأدلة الموثوقة، فإنها ستؤسس لسابقة قانونية تؤكد أن لا أحد فوق القانون. أما إذا غلبت الاعتبارات السياسية أو الانتقامية، فإنها ستفقد كثيراً من مشروعيتها، وستضعف ثقة السوريين بمفهوم العدالة الانتقالية.
إن مستقبل المصالحة الوطنية في سوريا لن يُبنى على النسيان، ولا على الانتقام، وإنما على عدالة تحاسب المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وتكفل في الوقت نفسه جميع ضمانات المحاكمة العادلة. فالدول تستقر عندما يصبح القضاء هو الحكم بين الخصوم، لا عندما تتبدل موازين القوة فقط. لذلك، فإن محاكمة عاطف نجيب تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا على طي صفحة الماضي عبر العدالة، لا عبر الثأر، وبناء دولة يكون فيها القانون هو المرجعية العليا للجميع.