"جايي من ورا البقر"... حين تختصر عبارةٌ مأساة وطن

Salah Kirata • ١٤‏/٧‏/٢٠٢٦

56536.png


"جايي من ورا البقر"... 
حين تختصر عبارةٌ مأساة وطن:

لا أعتقد أن هناك سورياً لم يسمع يوماً عبارة "جايي من ورا البقر"، ولو بطريق الصدفة، سواء خلال الصعود الى الميكرو، اوعلى باب الفرن، وفي طوابير الجمعيات الاستهلاكية، وأمام نوافذ الدوائر الحكومية، كانت تتردد وكأنها جزء من القاموس اليومي للسوريين...

لكنها لم تكن مجرد لغوٍ او عبارة ساخرة، بل كانت انعكاساً لثقافة متجذرة تقوم على الاستعلاء، واحتقار الآخر، والتشكيك في قدراته، وإقصائه من دائرة الاحترام، وعندما تصبح هذه الذهنية جزءاً من السلوك العام، فإنها تزرع الانقسام قبل أن تزرع الكراهية، وتهدم فكرة الوطن قبل أن تهدم مؤسساته...

ولعل ما عاشته سورية خلال السنوات الماضية لم يكن نتيجة السلاح وحده، بل نتيجة تراكم طويل من الأزمات الثقافية والاجتماعية، حيث تراجعت الهوية الوطنية أمام الهويات الفرعية، وغابت المواطنة لمصلحة العصبيات والانتماءات الضيقة...

واليوم، يكفي أن تنظر إلى الخريطة السورية لتدرك حجم المأزق، مشاريع متنافسة، وولاءات متباينة، وكل طرف يتخيل سورية التي يريدها، لا سورية التي تتسع لجميع أبنائها. ولو أُتيحت الفرصة للبعض، لرسم حدود دولته الخاصة، ولو على حساب وحدة الوطن...

لا يعني ذلك أن الحل كان في القبضة الأمنية وحدها، فالدولة القوية لا تُبنى بالخوف فقط، وإنما بالقانون والعدالة والمواطنة، لكن التجربة أثبتت أيضاً أن المجتمع المنقسم على ذاته، والغارق في ثقافة الإلغاء، يصبح أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية، وأكثر استعداداً للتفكك عند أول أزمة...

إن أخطر معارك سورية ليست معركة إعادة بناء المدن، بل إعادة بناء الإنسان. فالوطن الذي لا يحترم فيه أبناؤه بعضهم بعضاً، ولا يؤمنون بأن اختلافهم مصدر قوة لا سبب للعداء، سيظل معرضاً لتكرار المأساة مهما تبدلت الأنظمة وتغيرت الوجوه...

ختاماً:
لو كان لي قيادة القدر لغسلت جفني سورية بالشرر، ولأرعبت حتى الحجر  ولفعلت بالسوريين ما لم يصل إلى فعله الحجاج مع العراقيين .