
ما بعد انهيار تفاهم إسلام آباد:
الشرق الأوسط يدخل مرحلة كسر الإرادات.
لم يعد الحديث يدور حول أزمة قابلة للاحتواء، بل عن انتقال واضح إلى مرحلة أكثر خطورة عنوانها المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد انهيار التفاهم الذي كان يُنظر إليه على أنه فرصة مؤقتة لخفض التصعيد. وبغض النظر عن أسباب انهياره أو المسؤولية عنه، فإن النتيجة الأهم هي أن منطق القوة عاد ليتقدم على منطق الدبلوماسية، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتراجع فيها السياسة أمام لغة السلاح...
التطورات الأخيرة تعكس تحولاً في قواعد الاشتباك؛ فالضربات العسكرية المتبادلة لم تعد مجرد رسائل تكتيكية محسوبة، بل باتت تستهدف إضعاف القدرات العسكرية وفرض معادلات ردع جديدة. وفي المقابل، يسعى كل من واشنطن وطهران إلى إظهار قدرته على مواصلة المواجهة دون تقديم تنازلات، الأمر الذي يرفع احتمالات سوء التقدير، ويزيد من خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها...
ومع ذلك:
فإن الحديث عن حرب شاملة بوصفها نتيجة حتمية يبقى سابقاً لأوانه، فالتجارب السابقة تؤكد أن الطرفين، رغم ارتفاع سقف التصعيد، يدركان أن المواجهة المفتوحة ستكون باهظة الكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، لذلك يبدو أن التصعيد الحالي يهدف، في جانب منه، إلى تحسين شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على طاولة السياسة، ما لم يفرض الميدان مساراً مختلفاً...
كما أن الرهان على أن الضغوط العسكرية وحدها ستدفع إيران إلى الاستسلام أو تغيير سلوكها جذرياً، ليس رهاناً مضمون النتائج، تماماً كما أن الاعتقاد بأن طهران قادرة على استنزاف الولايات المتحدة وحلفائها إلى ما لا نهاية يفتقر إلى الواقعية. فكلما طال أمد المواجهة، اتسعت دائرة الخسائر، وارتفعت كلفة الصراع على الجميع، وفي مقدمتهم دول الإقليم وأسواق الطاقة العالمية...
باختصار:
استراتيجياً، دخل الشرق الأوسط مرحلة كسر الإرادات لا مرحلة الحسم، فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض ميزان ردع جديد يعيد رسم قواعد النفوذ في المنطقة، فيما ترى إيران أن أي تراجع كبير قد يهدد مكانتها الإقليمية وربما تماسك نظامها الداخلي. وبين هذين الهدفين المتناقضين، يقف الإقليم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية...
لقد انتهت مرحلة إدارة الأزمة، وبدأت مرحلة إدارة المواجهة، وما لم تستعد الدبلوماسية زمام المبادرة سريعاً، فإن المنطقة قد تدخل زمناً جديداً تُرسم فيه موازين القوى بالنار أكثر مما تُرسم على طاولات التفاوض. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ عندما يقرر أحد الأطراف خوضها، بل عندما يفقد الجميع القدرة على التراجع... وعندها، لا يكون هناك منتصر حقيقي، بل خاسرون بدرجات متفاوتة، ويبقى الشرق الأوسط، مرة أخرى، هو من يدفع الثمن الأكبر.