جرمانا: عندما يصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عن المستقبل

Salah Kirata • ١٤‏/٧‏/٢٠٢٦

56504.png


جرمانا:
عندما يصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عن المستقبل.

لم يكن ما شهدته مدينة جرمانا أمس حدثًا محليًا عابرًا، ولا تظاهرة يمكن إدراجها في السجل اليومي للاحتجاجات السياسية، فالمشهد بكل تفاصيله، من الشعارات التي أُطلقت، والهتافات التي أثارت جدلًا واسعًا، والرموز التي استُحضرت، كشف أن سورية دخلت مرحلة جديدة من الاختبار؛ مرحلة لم تعد تُقاس فيها قدرة الدولة بما تملكه من أدوات أمنية فحسب، بل بقدرتها على حماية وحدتها الوطنية، وصون حق مواطنيها في التعبير، ومنع الانزلاق إلى خطاب يعيد إنتاج الانقسامات التي دفعت البلاد ثمنها باهظًا...

لذا:
فإنه من الخطأ اختزال ما جرى في جرمانا في حدود مدينة أو فئة اجتماعية أو موقف سياسي، فالمدينة، بما تمثله من تنوع ديني واجتماعي، كانت طوال عقود نموذجًا مصغرًا لسورية نفسها، وحافظت خلال سنوات الحرب، رغم ما تعرضت له من ضغوط، على قدر من التماسك جنّبها الانزلاق إلى مواجهات واسعة، ولذلك، فإن أي اضطراب فيها يكتسب دلالة تتجاوز جغرافيتها، ويستدعي قراءة وطنية هادئة، لا انفعالية، لأن الدول الخارجة من النزاعات لا تسقط بسبب حدث منفرد، وإنما حين تعجز عن قراءة الإشارات المبكرة...

ومن الطبيعي أن يحتج المواطن عندما تثقل كاهله الأزمات الاقتصادية، أو يشعر بأن بعض السياسات الحكومية لا تستجيب لتطلعاته، فالمطالبة بالإصلاح، وانتقاد الأداء، والاعتراض على القرارات العامة، ليست امتيازات تمنحها السلطة، بل حقوق تكفلها فكرة الدولة الحديثة نفسها. لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الاحتجاج يفقد مشروعيته الأخلاقية والسياسية عندما يتحول من المطالبة بالإصلاح إلى التشكيك بوحدة الدولة، أو عندما يصبح منصة لإحياء العصبيات الطائفية والمناطقية، أو بوابة لعبور مشاريع لا ترى في سورية وطنًا جامعًا، بل مجموعة كيانات متنازعة...

وتكتسب هذه الوقائع خطورتها لأنها تأتي في مرحلة لا تزال فيها الدولة السورية تواجه ملفات شديدة التعقيد، اذ ما تزال هناك تحديات تتعلق باستكمال بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، كما أن تداعيات الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء لم تغادر الذاكرة الوطنية بعد، وما خلفته من ضحايا وانتهاكات يستوجب محاسبة قانونية شفافة لكل من يثبت تورطه، بعيدًا عن الانتقائية أو التسييس، فالعدالة ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل هي أحد أعمدة الاستقرار، لأنها وحدها القادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة...

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن سورية ما تزال تعيش في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، لكل منها حساباتها وأولوياتها، وقد أثبتت سنوات الحرب أن أي توتر داخلي، مهما بدا محدودًا، سرعان ما يتحول إلى مادة للاستثمار السياسي والإعلامي، وربما الأمني، من أطراف تبحث عن توسيع نفوذها أو إعادة رسم موازين القوى، ولهذا، فإن حماية الجبهة الداخلية لم تعد مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأكمله، لأن الانقسام الداخلي كان، ولا يزال، البوابة الأوسع لكل تدخل خارجي...
اخوتي:
لقد دفعت سورية خلال السنوات الماضية ثمنًا فادحًا عندما تراجعت فكرة الدولة أمام تعدد مراكز القوة، وتقدمت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، ولم تكن النتيجة حرية أوسع، ولا عدالة أشمل، بل مزيدًا من الدماء، والتهجير، والانهيار الاقتصادي، وفقدان السيادة على أجزاء واسعة من البلاد، وهذه ليست قراءة سياسية قابلة للاختلاف، بل خلاصة تجربة عاشها السوريون بكل تفاصيلها المؤلمة...

ومن هنا:
فإن الدفاع عن الدولة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعًا عن حكومة أو عن رئيس أو عن مسؤول، لأن الحكومات تتغير، والرؤساء يرحلون، والسياسات تُراجع، أما الدولة فهي الإطار الذي يحفظ المجتمع من الانهيار، ولهذا فإن الخلط بين الدولة والسلطة كان، عبر التاريخ، أحد أكثر الأخطاء كلفة في المجتمعات التي مرت بمراحل انتقالية، لأنه دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن إسقاط المؤسسات طريق إلى الإصلاح، بينما أثبتت الوقائع أن الفراغ لا يملؤه إلا السلاح، والفوضى، وتدخل الآخرين...

غير أن هذه الحقيقة تفرض، في المقابل، مسؤولية مضاعفة على الدولة نفسها، فالدولة التي تطلب من مواطنيها الدفاع عنها، مطالبة بأن تدافع عنهم أولًا، وأن تكون مرجعًا للعدالة لا طرفًا في الخصومة، وأن تجعل القانون فوق الجميع، وأن تفتح أبواب المحاسبة لكل من أساء استخدام السلطة أو انتهك حقوق المواطنين. فالدولة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، بل تلك التي تملك من الثقة بنفسها ما يجعلها تستمع إلى النقد، وتعالج الأخطاء، وتُخضع الجميع لحكم القانون...

كما أن مسؤولية النخب السياسية والإعلامية لا تقل أهمية، فالكلمة قد تبني جسور الثقة، وقد تهدم ما عجزت الحروب عن هدمه، ومن السهل تأجيج الغضب، لكن من الصعب إطفاء الحرائق التي يولدها خطاب الكراهية. ولهذا، فإن الوطنية لا تُقاس بحدة الشعارات، بل بقدرة أصحاب الرأي على حماية المجال العام من الانزلاق إلى التحريض، وعلى التمييز بين معارضة الدولة ومعارضة سياساتها...
عموماً:
فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول الخلافات السياسية المشروعة إلى انقسامات وجودية، وأن يصبح الانتماء للطائفة أو المنطقة أقوى من الانتماء إلى الوطن، فعندما تتراجع المواطنة، تتراجع الدولة معها، وحين تضعف الدولة، لا ينتصر أحد؛ لأن الجميع يصبح خاسرًا، مهما توهم أنه حقق مكسبًا آنيًا...

لقد أثبت التاريخ السوري، منذ الاستقلال، أن البلاد كانت أكثر مناعة كلما احتكم أبناؤها إلى مفهوم الدولة الجامعة، وكانت أكثر هشاشة كلما انتصرت الولاءات الضيقة على الهوية الوطنية. وما جرى منذ عام 2011 يقدم البرهان الأكبر على أن انهيار الثقة بين السوريين فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وأطال أمد الحرب، وبدد موارد الوطن، وعمّق جراح المجتمع...

إن الرسالة التي حملتها جرمانا لا ينبغي أن تُوجَّه إلى المدينة وحدها، ولا إلى المحتجين وحدهم، ولا إلى الحكومة وحدها، بل إلى السوريين جميعًا، فالأوطان لا تُختبر فقط في ميادين القتال، بل تُختبر أيضًا في قدرتها على إدارة خلافاتها ضمن سقف الدولة والقانون. والاحتجاج الذي يحمي الدولة يفتح باب الإصلاح، أما الاحتجاج الذي يهز فكرة الدولة فإنه، بقصد أو بغير قصد، يفتح أبوابًا قد يعجز الجميع عن إغلاقها...

واليوم، تقف سورية أمام لحظة دقيقة لا تحتمل الأوهام. فإما أن تنتصر دولة المواطنة والقانون، التي يتساوى فيها الجميع أمام العدالة، وتُصان فيها الحريات تحت سقف الوحدة الوطنية، وإما أن يُعاد إنتاج المسارات التي قادت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث في تاريخها الحديث...

إن الدفاع عن الدولة لا يعني الصمت عن أخطائها، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني هدمها، فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون الدولة قوية بالقانون، قوية بالعدالة، قوية بثقة مواطنيها، لا بالخوف منهم، أما الذين يظنون أن الانقسام يمكن أن يصنع مستقبلًا أفضل، فإنهم يتجاهلون درسًا دفع السوريون ثمنه بالدم: لا أحد ينتصر عندما يخسر الوطن...

لهذا، فإن جرمانا ليست نهاية قصة، بل بداية اختبار جديد، اختبار للدولة في قدرتها على أن تكون عادلة وحازمة، واختبار للمجتمع في قدرته على أن يرفع صوته من أجل الإصلاح من دون أن يسمح بتحويل خلافاته إلى وقود لمشاريع التفتيت، وبين هذين الامتحانين، تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا يختلف عليها العقلاء: أن سورية لن ينقذها إلا السوريون، ولن يحميها إلا قيام دولة واحدة، سيدة، عادلة، قوية، يتساوى فيها جميع المواطنين، ويكون الولاء فيها للوطن وحده، لأن الأوطان لا تُقسم مرتين، ومن لا يتعلم من التاريخ، يحكم على نفسه بأن يعيشه مرة أخرى.