
حافظ الأسد والإسلاميون...
عندما صنع الاستبداد البيئة التي ادّعى أنه يحاربها.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليس أخطر ما فعله حافظ الأسد أنه احتكر السلطة، بل أنه احتكر السياسة نفسها، وحين تُحتكر السياسة وتُفرغ الأحزاب من مضمونها وتُصادر الحياة العامة، لا يختفي المجتمع، وإنما يعود إلى ملاذاته الأولى؛ الطائفة، والعشيرة، والدين. وعندها لا يعود الاستبداد والإسلام السياسي نقيضين بالضرورة، بل قد يصبح كل منهما سبباً موضوعياً في بقاء الآخر، حتى وإن بدا بينهما صراع دموي لا يهدأ.
تأملت، كما يفعل كثيرون، السيرة الذاتية للسيد عبد القادر طحان، فوجدت أنه تلقى علومه الشرعية في مدرسة الشعبانية بحلب، ثم في معهد الفتح بدمشق مطلع الألفية الجديدة، ولا أقصد الرجل إطلاقاً، فهو لا يعنيني كشخص، ولكل إنسان ظروفه وخياراته، وربما لو كنت مكانه لاتخذت القرار ذاته في مرحلة من مراحل حياتي.
لكن ما استوقفني ليس الشخص، بل البيئة التي أنتجت هذه المسيرة:
- فمن أين جاءت كل هذه المعاهد الشرعية التي خرّجت آلاف الطلبة؟.. - وكيف ازدهرت في ظل نظام كان يقدّم نفسه بوصفه الحارس الأمين للدولة العلمانية، بينما كان في الوقت ذاته يخوض أعنف مواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين؟..
هنا تبدأ المفارقة السورية، ففي حدود ما قرأته ووثقته خلال سنوات عملي واهتمامي بتاريخ سورية الحديث، لم أجد أن العلاقة بين نظام حافظ الأسد والإسلاميين كانت علاقة صراع فكري خالص بين العلمانية والدين، بقدر ما كانت صراعاً على السلطة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تُرفع شعارات العلمانية في الخطاب الرسمي، بينما كانت المؤسسات الدينية تتمدد تحت أعين الدولة، بل وبرعايتها وإشرافها الأمني المباشر...
لطالما قلت إنني لا أميز تنظيمياً بين جماعة الإخوان المسلمين وما تفرع عنها من حركات، لأن المرجعية الفكرية والمنطلقات العقائدية متقاربة وإن اختلفت الوسائل والظروف، كما أنني لا أرى أن الجماعة كانت تضم جناحاً دينياً منفصلاً عن جناح سياسي منفصلاً عن جناح أكثر تشدداً، بل كانت تلك المكونات، في تقديري، تتحرك داخل رؤية واحدة تختلف أدواتها أكثر مما تختلف أهدافها، وذلك تبعا للظروف في سياق ثقافة ( التقية ) التي يقذفون غيرهم بها، فلا يوجد تنظيم له جذور إسلامية إلا مارس ويمارس التربية وضمنا الحكومة الانتقالية لسورية الحالية ...
ولا خلاف على أن العلاقة بين الدولة السورية وجماعة الإخوان دخلت مرحلة صدام مبكرة بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تصاعدت تدريجياً حتى بلغت ذروتها في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، لكن السؤال الذي لا يزال يفرض نفسه هو:
- إذا كان النظام يرى في الإسلام السياسي خطراً وجودياً، فلماذا سمح باتساع البنية التعليمية الدينية طوال سنوات حكمه؟..
لقد شهد عهد حافظ الأسد إنشاء معاهد الأسد لتحفيظ القرآن، واتساع التعليم الشرعي، وازدياد النشاط الديني المنظم، وكل ذلك كان يجري تحت أعين الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب المنتسبين، وتفتح لهم الملفات، وتتابع تحركاتهم بدقة، ولم يكن هذا تناقضاً عابراً، بل كان جزءاً من آلية حكم اعتمدت على إدارة المجتمع لا على تحريره...
فالأنظمة الشمولية لا تخشى التدين بحد ذاته، وإنما تخشى استقلال المجتمع عنها، ولذلك تسمح بالدين الذي تستطيع مراقبته، وتمنع السياسة التي قد تنافسها، لكنها ترتكب خطأً استراتيجياً حين تظن أن السيطرة الأمنية كافية لضبط المجال الديني إلى الأبد، فحين تُغلق الأحزاب، وتُهمش النقابات، وتُصادر الجامعات، ويتحول حزب السلطة إلى جهاز تعبئة لا أكثر، يصبح المسجد أو المعهد الشرعي أحد المنافذ القليلة المتبقية لإنتاج النخب، وتداول الأفكار، وبناء شبكات التأثير الاجتماعي...
وهنا تكمن المفارقة التي تجاهلها كثيرون؛ فالسلطة التي ظنت أنها تحتكر المجال العام، كانت، من حيث أرادت أو لم ترد، تهيئ البيئة الاجتماعية التي خرجت منها لاحقاً كوادر لعبت أدواراً سياسية وإدارية بعد انهيار النظام...
أما حزب البعث، الذي قاد ثورة الثامن من آذار وهو يحمل مشروعاً قومياً وعلمانياً، فقد انتهى تدريجياً إلى مؤسسة شكلية فقدت قدرتها على إنتاج الفكر والقيادة، اذ لم يعد الحزب قائداً للدولة، بل أصبحت الدولة كلها ملحقة بشخص الرئيس، أما الجيش، الذي يفترض أن يكون جيش الوطن، فتحول مع الزمن إلى مؤسسة ترتبط ببقاء النظام أكثر من ارتباطها بالمجتمع والدولة...
وهنا أصل إلى نقطة أراها جوهرية وهي:
لقد عاش حافظ الأسد هاجس الشرعية أكثر مما عاش هاجس الأيديولوجيا، لم يكن يستند إلى شرعية ديمقراطية، ولا بقي وفياً للفكرة الحزبية التي أوصلته إلى السلطة، ولذلك سعى إلى بناء شرعية مركبة؛ جزء منها يستند إلى الجيش، وجزء إلى الأجهزة الأمنية، وجزء إلى الرمزية الدينية، وجزء إلى شبكة التحالفات الإقليمية، ومن هنا يمكن فهم حضوره في المناسبات الدينية، ودعمه لبعض المؤسسات الشرعية، بالتوازي مع أشد حملات القمع ضد خصومه الإسلاميين...
لقد كان يستخدم الدين لإضفاء شرعية على السلطة، لا لبناء دولة مواطنة، ويستخدم القبضة الأمنية لإخضاع الإسلاميين، لا لمعالجة الأسباب التي تمنحهم القدرة على إعادة إنتاج أنفسهم...
إن الاستبداد لا يقضي على الأفكار، بل يدفعها إلى العمل في الظل، وكلما ضاق الفضاء السياسي المشروع، ازداد نفوذ التنظيمات الأكثر انضباطاً وتنظيماً. وهذه ليست خصوصية سورية، بل قاعدة شهدتها تجارب عديدة في المنطقة والعالم...
ولذلك فإنني أعتقد أن الإسلاميين لم ينتشروا بسبب تفوق مشروعهم الفكري وحده، كما لا يمكن تفسير حضورهم فقط بقدراتهم التنظيمية، وإنما لأن النظام نفسه، بسياساته القائمة على احتكار الدولة وإفراغ الحياة السياسية من مضمونها، ساهم في خلق الفراغ الذي ملأته هذه القوى...
وهنا كمنت المفارقة الكبرى، فالنظام الذي قدّم نفسه عقوداً باعتباره السد المنيع في وجه الإسلام السياسي، انتهى إلى ترك مجتمع ضعيف، وحياة سياسية ميتة، وأحزاب خاوية، ومؤسسات مدنية عاجزة، وعندما انهار، لم يجد السوريون بنية سياسية وطنية قوية تملأ الفراغ، فكان طبيعياً أن تتقدم القوى الأكثر تنظيماً، وفي مقدمتها التيارات ذات المرجعية الإسلامية...
لقد أثبت التاريخ أن الاستبداد والتطرف لا يعيش أحدهما بعيداً عن الآخر؛ فالاستبداد يحتاج إلى خصم دائم يبرر به استمرار القبضة الأمنية، بينما تستثمر الحركات العقائدية في القمع لتوسيع خطاب المظلومية وتعزيز قدرتها على التجنيد. وهكذا يغذي كل طرف الآخر، ولو رفعا شعارات العداء المتبادل...
إن أخطر ما أورثه حافظ الأسد لسورية لم يكن مجرد نظام أمني، بل دولة فقدت مناعتها السياسية، وعندما تفقد الدولة مناعتها، يصبح أي تنظيم يمتلك بنية تنظيمية وفكرة جامعة قادراً على التمدد، أياً كان مشروعه...
ولعل المؤرخين، بعد أن تهدأ انفعالات السياسة، سيخلصون إلى أن العلاقة بين حافظ الأسد والجماعات الإسلامية لم تكن مجرد علاقة خصومة، بل كانت أيضاً علاقة أنتجت كلٌ منها الأخرى بدرجات متفاوتة، فالاستبداد الذي قتل السياسة المدنية، وسحق الأحزاب، وأضعف المجتمع، كان من أبرز العوامل التي هيأت الأرض لعودة الإسلام السياسي بأشكال مختلفة...
وهكذا، فإن الدرس الذي ينبغي ألا تغفله الأجيال القادمة هو أن الدولة المدنية لا يحميها القمع، كما أن الهوية الدينية لا تبني وحدها دولة حديثة، وحدها دولة القانون، والمواطنة، والتعددية السياسية، والمؤسسات المستقلة، قادرة على كسر الحلقة المفرغة التي عاشتها سورية لعقود؛ حلقةٌ كان الاستبداد فيها يغذي التطرف، وكان التطرف يمنح الاستبداد الذريعة للاستمرار...
اخيرا أؤكد :
- ان المشروع البعثي لم يسقط لأنه هُزم عسكرياً، بل لأنه استبدل الدولة بالرئيس، والمؤسسات بالأجهزة، والسياسة بالخوف، ولم يصعد الإسلام السياسي لأنه امتلك الحقيقة المطلقة، بل لأنه وجد فراغاً هائلاً خلفه الاستبداد، وبين المشروع الذي صادر الحرية باسم الدولة، والمشروع الذي صادرها باسم العقيدة، دفعت سورية أثمن ما تملك: الإنسان والدولة معاً...
- إن التاريخ لا يرحم الأنظمة التي تصنع خصومها بيديها، ثم تظن أن القضاء عليهم يكون بالسجون وحدها؛ فالأفكار التي يولدها الفراغ السياسي لا تموت بالقوة، وإنما تموت حين تستعيد الدولة معناها، ويستعيد المواطن حقه في السياسة قبل أي شيء آخر.