--:--
وزارة الداخلية: تفكيك خلايا تابعة لتنظيم داعش في الجنوب، وإلقاء القبض على القيادي فراس الداغر وعدد من مسؤولي الاغتيالات والتمويل. وأُحيل الموقوفون إلى القضاء بعد اعترافات بتورطهم في جرائم قتل وسلب وتم

هل غيّر الغرب مبادئه... - أم غيّر مصالحه؟.. - وما الثمن السياسي المطلوب من سورية

Salah Kirata • ٩‏/٧‏/٢٠٢٦

55484.png

هل غيّر الغرب مبادئه...
- أم غيّر مصالحه؟..
- وما الثمن السياسي المطلوب من سورية؟..

في عالم السياسة لا تُمنح الهدايا مجانًا، ولا تُرفع العقوبات بدافع العواطف، ولا تتحول الخصومات التاريخية إلى صداقات بين ليلة وضحاها، أما في العلاقات الدولية، فإن لكل خطوة ثمنًا، ولكل تقارب مقابلًا، ولكل انفتاح حساباته الدقيقة...

من هنا، فإن المشهد الذي نتابعه اليوم في سورية يستحق قراءة هادئة تتجاوز الانفعال، وتحاول أن تجيب عن سؤال جوهري هو:
- لماذا سارعت الولايات المتحدة وفرنسا، ومعهما عدد من الدول الغربية، إلى فتح قنوات التواصل مع العهد السوري الجديد، بعد سنوات طويلة من العداء والعقوبات؟..
والأهم من ذلك:
-  ماذا تنتظر هذه الدول من دمشق في المقابل؟..

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة إذا استحضرنا التاريخ القريب، فمنذ أحداث أواخر سبعينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها مجزرة كلية المدفعية عام 1979، دخلت سوريا في مواجهة مفتوحة مع تنظيمات إسلامية مسلحة، ثم تحولت لاحقًا إلى إحدى الساحات الأكثر تعقيدًا في الحرب العالمية على الإرهاب، ومع ذلك، انتهى المشهد اليوم إلى مفارقة لافتة؛ إذ تتعامل عواصم غربية مع سلطة جديدة تضم شخصيات أو قوى ارتبطت في مراحل سابقة بتنظيمات أثارت جدلًا واسعًا حول تصنيفها وخلفياتها الفكرية...

هذه المفارقة لا يمكن فهمها إذا بقينا أسرى الشعارات، فالسياسة الدولية لا تعترف بالأصدقاء الدائمين ولا بالأعداء الدائمين، وإنما تعترف بالمصالح الدائمة...

لقد أدركت واشنطن وباريس أن سورية التي ولدت بعد التحولات الأخيرة ليست هي سورية التي عرفناها قبل سنوات، كما أدركتا أن استمرار القطيعة لن يمنحهما أي نفوذ داخل هذا البلد، بينما يتيح الانفتاح فرصة للتأثير في مساره السياسي والأمني والاقتصادي...

ومن هنا:
 يبدو أن الغرب لا يراهن على الأشخاص بقدر ما يراهن على السلوك، فهو يريد سلطة تستطيع ضبط الأرض، ومنع عودة تنظيم داعش، والحد من الفوضى، وتأمين الحدود، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا في شرق المتوسط...

- لكن هذه ليست سوى الطبقة الأولى من المشهد...
- أما الطبقة الأعمق، فهي أن سورية أصبحت عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى، ولذلك، فإن أي انفتاح غربي لا يمكن فصله عن جملة من المصالح الاستراتيجية التي قد تسعى واشنطن وباريس إلى تحقيقها، ومن أبرزها:

أولًا:
 تثبيت خروج سورية من دائرة النفوذ الإيراني بوصفه تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد...
ثانيًا:
تقليص الحضور العسكري والسياسي الروسي، في ظل التنافس الدولي المحتدم بعد الحرب في أوكرانيا...
ثالثًا:
 ضمان استمرار التعاون في مكافحة التنظيمات المتشددة، ومنع تحول الأراضي السورية مجددًا إلى بيئة حاضنة للإرهاب العابر للحدود.
رابعًا:
 حماية أمن الحدود مع دول الجوار، والحد من شبكات تهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية...
خامسًا: 
 الدفع نحو عملية سياسية أكثر استقرارًا، تسمح بإعادة دمج سورية تدريجيًا في محيطها الإقليمي والدولي، بما يخفف الحاجة إلى التدخلات العسكرية المباشرة...
وسادسًا:
 فتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستثمار، ولكن ضمن بيئة توفر قدرًا من الاستقرار والوضوح في العلاقة مع المجتمع الدولي...

هذه ليست بالضرورة "شروطًا" معلنة، لكنها تمثل، في تقديري، الأهداف التي يمكن استنتاجها من مجمل السلوك الغربي خلال المرحلة الراهنة...

غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى:    - هل تستطيع سورية أن تستفيد من هذا الانفتاح دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين؟..

هنا تكمن المعضلة الحقيقية:

فالدول الضعيفة غالبًا ما تُطلب منها تنازلات تمس سيادتها، أما الدول التي تنجح في إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد قرارها الوطني، فإنها تصبح أكثر قدرة على التفاوض وحماية مصالحها...

ولهذا:
 فإن نجاح العهد الجديد لن يُقاس فقط بقدرته على كسب الدعم الخارجي، بل بقدرته على منع تحوّل هذا الدعم إلى وسيلة لفرض إملاءات تتجاوز المصالح الوطنية السورية...

إن سورية تحتاج اليوم إلى الانفتاح، كما تحتاج إلى إنهاء العقوبات واستعادة عافيتها الاقتصادية، لكن حاجتها إلى ذلك لا تعني أن تتخلى عن حقها في صياغة قرارها الوطني المستقل، فالتعاون مع المجتمع الدولي يصبح مكسبًا عندما يقوم على المصالح المتبادلة، ويتحول إلى عبء عندما يفقد التوازن...

ختاما:
في تقديري، فإن السؤال الصحيح ليس: - ماذا سيقدم الغرب لسورية؟..
 بل:
-  ما الذي سيطلبه منها؟..
 فالتاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى لا تستثمر سياسيًا دون مقابل...

لكن المقابل ليس قدرًا محتومًا بالشكل الذي يُرسم في الخارج؛ فهو يتوقف أيضًا على قدرة السوريين أنفسهم على بناء دولة مؤسسات، واستعادة وحدتهم، وتعزيز شرعية الداخل، عندها فقط تستطيع دمشق أن تفاوض من موقع الدولة، لا من موقع الحاجة...

ولذلك:
فإن المرحلة المقبلة تتطلب كثيرًا من الحكمة وقليلًا من الأوهام. فالمصالح يمكن أن تفتح الأبواب، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب السيادة. وإذا كان الغرب قد غيّر أدواته لأن مصالحه تغيّرت، فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا هو أن تجعل من هذا الانفتاح فرصة لبناء دولة مستقرة، لا مدخلًا لتبعية جديدة أو لإعادة إنتاج صراعات بأسماء مختلفة.