
حين أنحاز إلى النظام...
فإنني لا أنحاز إلى الحاكم:
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
هناك خطأ يتكرر في مجتمعاتنا كلما اشتدت الخصومة السياسية، وهو اختزال الدولة في السلطة، ثم اختزال السلطة في الأشخاص، وحين يحدث ذلك، يصبح كل ما يصيب الدولة وكأنه يصيب الحاكم وحده، فيصفق بعض الناس لانهيار مؤسسة، أو يبررون اعتداءً على الأمن، أو ينظرون إلى الفوضى باعتبارها خطوة على طريق التغيير...
لكن التاريخ لا يروي الأمور بهذه البساطة:
فالأوطان لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تبدأ بالسقوط عندما يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الدولة ومن يحكمها، وبين معارضة السلطة ومعاداة النظام العام الذي يحفظ وجود المجتمع، عندها تتحول السياسة إلى ثأر، ويصبح الانتقام بديلاً عن العقل، ويغدو الخراب مقبولًا ما دام يصيب الخصم، ولو امتدت شظاياه إلى الجميع...
لقد تعلمت من دراسة التاريخ، ومن متابعة تجارب الدول، أن الدولة ليست شخصًا، ولا حزبًا، ولا حكومة، فالدولة كما افهما وتعاملت معها فكرة قبل أن تكون مؤسسات، وعقد اجتماعي قبل أن تكون أجهزة، وإرادة جماعية لتنظيم الحياة ومنع تحول المجتمع إلى غابة تحكمها القوة وحدها...
ومن هنا:
فإن معارضة الحكومة حق، بل قد تكون واجبًا عندما تخطئ أو تنحرف أو تعجز عن أداء مسؤولياتها، غير أن هذا الحق يفقد قيمته الأخلاقية عندما يتحول إلى رغبة في إضعاف الدولة نفسها، أو إلى تبرير لكل ما يهدد أمن الناس واستقرارهم...
لا أستطيع أن أفرح لانفجار يهز مدينة، ولا أن أجد مبررًا للشماتة بدماء الأبرياء، ولا أن أعتبر انهيار الأمن إنجازًا سياسيًا، لأن الضحية في النهاية ليست الحكومة، وإنما الإنسان البسيط الذي يريد أن يذهب إلى عمله، والطفل الذي يبحث عن مدرسة آمنة، والتاجر الذي ينتظر أن يفتح متجره، والمزارع الذي يريد أن يحصد أرضه دون خوف...
ولذلك، فإنني أنحاز تلقائيًا إلى النظام كلما وجدت الفوضى تقترب:
لكنني أقصد بالنظام معنى يختلف عما يتبادر إلى أذهان كثيرين، فلا أتحدث عن نظام الحكم، ولا عن النخبة الحاكمة، ولا عن الأشخاص الذين يتبدلون مع الزمن. إنما أتحدث عن النظام بوصفه القيمة التي تجعل القانون أقوى من السلاح، والمؤسسات أقوى من الأفراد، والدولة أقوى من العصبيات، والمصلحة العامة أعلى من نزوات السياسة...
إن النظام، بهذا المعنى، ليس خصمًا للحرية، بل هو شرط وجودها، فالحرية لا تزدهر في الفوضى، والديمقراطية لا تنمو بين الأنقاض، والحقوق لا يحميها انهيار المؤسسات، بل يحميها وجود دولة قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء...
وحين أتأمل تجارب الأمم، أجد أن الحضارات لم تسقط لأنها تعرضت للنقد، وإنما سقطت عندما انهارت فكرة الدولة نفسها، وما إن تتراجع هيبة القانون حتى تتقدم الميليشيات، ويحل منطق القوة محل منطق العدالة، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى مجرد ناجٍ يحاول حماية نفسه...
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس وجود معارضة قوية، وإنما وجود ثقافة ترى أن كل ما يضعف الدولة هو انتصار سياسي. فهذه ليست معارضة، بل قطيعة مع فكرة الوطن نفسها...
سورية، بعد كل ما مرت به، ليست بحاجة إلى مزيد من الانفعالات، بل إلى وعي سياسي يفرق بين تغيير السلطة وهدم الدولة، وبين إسقاط حكومة وإسقاط المؤسسات، وبين محاسبة المسؤولين والمحافظة على الكيان الوطني...
لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا حين غابت الدولة عن أجزاء واسعة من الجغرافيا، ورأينا جميعًا كيف لا تملأ الفراغ مؤسسات الحرية، بل جماعات السلاح، والاقتصاد الأسود، والتدخلات الخارجية، والانقسامات التي يصعب ترميمها...
لهذا، فإنني لا أرى في الاستقرار شعارًا سياسيًا، بل أراه شرطًا حضاريًا، ولا أعتبر الدفاع عن الأمن دفاعًا عن حكومة، بل دفاعًا عن حق المجتمع في أن يعيش حياة طبيعية. ولا أعتقد أن الإصلاح يولد من رحم الفوضى، لأن الفوضى لا تنجب إلا فوضى أكبر...
إن الحكومات تأتي وتذهب، والوجوه تتغير، أما الدولة فإنها إذا انكسرت احتاجت أجيالًا كاملة كي تستعيد عافيتها. لذلك فإن الوطنية، في معناها العميق، ليست أن تؤيد الحاكم، ولا أن تعارضه، بل أن ترفض تحويل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية...
ولهذا:
إذا وُضعت يومًا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ نظام يحفظ بقاء الدولة مع إمكانية إصلاحه، أو فوضى تبتلع الجميع تحت شعارات براقة، فلن أتردد في اختياري...
سأنحاز إلى النظام، لا لأنه يمثل السلطة، بل لأنه يمثل النقيض الكامل للفوضى، وسأنحاز إلى الدولة، لا لأنها معصومة من الخطأ، بل لأنها الوعاء الوحيد الذي يمكن داخله إصلاح الخطأ. أما خارج الدولة، فلا يوجد إصلاح، ولا عدالة، ولا حرية... بل فراغ لا يسمع فيه إلا صوت القوة.