انتهت مذكرة التفاهم... فهل بدأ العدّ التنازلي للمواجهة الكبرى مع إيران

Salah Kirata • ٨‏/٧‏/٢٠٢٦

55308.png

انتهت مذكرة التفاهم...
 فهل بدأ العدّ التنازلي للمواجهة الكبرى مع إيران؟.

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران مجرد تصريح عابر، بل هو إعلان رسمي بأن المسار الدبلوماسي الذي حاول احتواء أخطر أزمة في الشرق الأوسط قد وصل إلى نهايته، وعندما يقول رئيس الولايات المتحدة إن الاتفاق "انتهى"، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى طهران وحدها، بل إلى المنطقة والعالم بأسره، مرحلة جديدة بدأت، وقواعد الاشتباك تغيرت.

السؤال الحقيقي ليس
-  لماذا انهارت المذكرة؟..
بل :
- لماذا لم يكن انهيارها سوى مسألة وقت...

فالطرفان دخلا الاتفاق وهما يحملان رؤيتين متناقضتين، واشنطن أرادت تجميد البرنامج النووي الإيراني، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، واحتواء النفوذ الإيراني دون خوض حرب طويلة، أما إيران فكانت ترى في الاتفاق فرصة لالتقاط الأنفاس، وتخفيف العقوبات، واستعادة جزء من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، من دون تقديم تنازلات استراتيجية تمس مشروعها الإقليمي...

بمعنى آخر:
لم يكن الاتفاق قائماً على الثقة، وإنما على توازن مؤقت للمصالح، وهذا النوع من الاتفاقات ينهار عند أول اختبار حقيقي...

وجاءت الهجمات على السفن في مضيق هرمز، ثم الردود العسكرية الأمريكية، لتكشف أن الطرفين تجاوزا مرحلة الاحتواء إلى مرحلة استعادة سياسة الردع بالقوة، كما أن قرار واشنطن إلغاء التسهيلات المتعلقة بصادرات النفط الإيراني أكد أن الإدارة الأمريكية عادت لاستخدام سلاح "الضغط الأقصى" بوصفه الخيار الأول... 

لكن ما يجري اليوم لا يتعلق بإيران وحدها، بل يعكس تحولاً في العقيدة الأمريكية. فترامب لا يريد حرباً مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة، لكنه أيضاً لا يقبل بوجود إيران تمتلك القدرة على تهديد الملاحة الدولية أو الاقتراب من امتلاك مظلة نووية. لذلك يبدو أنه انتقل من سياسة "الاتفاق مقابل التهدئة" إلى سياسة "القوة لفرض الشروط".

أما إيران، فمن الصعب أن تتراجع سريعاً، لأن أي تنازل كبير سيُفسَّر داخلياً على أنه هزيمة، وهو ما لا يستطيع النظام تحمله في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة...

لكن لنا أن نتساءل ماذا بعد؟

اجنح إلى أن المرحلة القادمة مرشحة لعدة تطورات متزامنة:

- تصعيد عسكري محسوب يستهدف القدرات الإيرانية دون الانزلاق إلى احتلال بري...
- تشديد اقتصادي غير مسبوق يهدف إلى خنق مصادر تمويل طهران...
- تصاعد المواجهة الاستخباراتية والعمليات السرية داخل إيران وخارجها...
- زيادة الضغوط على الأذرع الإقليمية المرتبطة بطهران في أكثر من ساحة...

ومع ذلك:
فإن الحرب الشاملة ليست الخيار الأكثر ترجيحاً، لأن كلفتها ستكون باهظة على الجميع. والأقرب هو استمرار سياسة الاستنزاف المتبادل، بحيث يبقى كل طرف يرفع كلفة بقاء الطرف الآخر دون الوصول إلى مواجهة نهائية...

في النهاية:
 لم تكن مذكرة التفاهم سلاماً حقيقياً، بل هدنة فرضتها الظروف. واليوم، بعد إعلان ترامب انتهاءها، يعود الشرق الأوسط إلى معادلته القديمة: القوة هي اللغة الأولى، والدبلوماسية لا تعود إلى الطاولة إلا بعد أن يرسم الميدان حدودها.