
بين السطور...
كيف أدركت من المؤتمر الصحفي بين ترامب وأحمد الشرع أن سوريا تدخل مرحلة سياسية جديدة؟ :
بقلمي :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تابعت المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، ولم أتعامل معه بوصفه مؤتمراً بروتوكولياً عابراً أو مناسبة لالتقاط الصور وتبادل عبارات المجاملة السياسية. منذ الدقائق الأولى أدركت أن ما يجري أمام عدسات الإعلام يحمل دلالات أعمق بكثير من الكلمات المعلنة، وأن الرسائل غير المنطوقة ربما كانت أكثر أهمية من التصريحات نفسها...
وأدركت أيضاً أن مجرد وقوف رئيس الولايات المتحدة إلى جانب رئيس سورية الجديدة في مؤتمر صحفي مشترك، وعلى منصة إحدى أهم القمم الغربية، يعكس تحولاً كبيراً في النظرة الدولية إلى دمشق، فالمشهد بحد ذاته يحمل قيمة سياسية تتجاوز مضمون التصريحات، لأنه يعبر عن انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة القطيعة إلى مرحلة اختبار الشراكة وإعادة بناء الثقة...
وعندما استمعت إلى ترامب وهو يشيد بالرئيس أحمد الشرع ويصفه بالقائد القوي، ثم يتحدث عن رفع العقوبات وإمكانية شطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أدركت أن الإدارة الأمريكية بدأت تنظر إلى سورية باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي، لا مجرد ملف أمني أو ساحة صراع مفتوحة، ولمست بوضوح أن واشنطن ترسل إشارات سياسية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، وتفتح الباب أمام مسار مختلف إذا ما استمرت دمشق في النهج الذي تراه الإدارة الأمريكية مناسباً...
وفي المقابل:
تابعت كلمات الرئيس أحمد الشرع بدقة، وأدركت أنه اختار مفرداته بعناية شديدة، فقد أعاد الفضل في كل ما تحقق إلى الشعب السوري وتضحياته، ولم يجعل الاعتراف الدولي أساساً للشرعية، بل نتيجة لمسار بدأ من الداخل السوري...
برأيي:
" لم يكن هذا مجرد خطاب سياسي، بل رسالة تؤكد أن شرعية الدولة الجديدة تنبع أولاً من إرادة السوريين، ثم تأتي بعدها الاعترافات الخارجية"...
كما أدركت أن وصف الشرع لقرار رفع العقوبات بأنه "قرار تاريخي" لا يعكس حالة امتنان سياسي بقدر ما يعكس قراءة واقعية لحجم التحديات الاقتصادية التي تواجه سورية، فالقيادة السورية تدرك أن إعادة الإعمار واستعادة الاقتصاد لا يمكن أن تتحققا من دون إزالة القيود المالية وعودة الاستثمارات واندماج البلاد مجدداً في الاقتصاد العالمي...
ولفت انتباهي أيضاً حديثه عن تركيا ودول الخليج العربي، وهنا أدركت أن دمشق ترسم بوضوح ملامح تموضعها الإقليمي الجديد، القائم على الانفتاح، وبناء الشراكات، والابتعاد عن سياسة المحاور التي استنزفت سوريا لعقود. إنها رسالة تقول إن الأولوية اليوم ليست للصراعات، بل للتنمية والاستقرار واستعادة الدولة لعافيتها...
ومن أكثر اللحظات التي استوقفتني محاولة ترامب الدفع باتجاه منح سورية دوراً في معالجة ملف حزب الله والواقع اللبناني، لكنني أدركت أن الشرع تعامل مع هذا الطرح بذكاء سياسي واضح، فلم ينجر إلى الخوض في تفاصيل قد تُفسَّر على أنها التزام بتدخلات إقليمية جديدة، بل أعاد التأكيد، بصورة مباشرة وغير مباشرة، أن أولوية دمشق هي استكمال بناء الدولة وترسيخ الأمن الداخلي، وأن أي دور إقليمي يجب أن يبقى منسجماً مع هذه الأولوية، لا على حسابها...
ومع انتهاء المؤتمر، أدركت أن الرسالة الأهم لم تكن ما قيل، بل ما لم يُقل، فلم أسمع لغة التهديد أو العقوبات أو تغيير الأنظمة التي طبعت سنوات طويلة من العلاقة بين واشنطن ودمشق، بل وجدت لغة مختلفة تقوم على المصالح، والانفتاح، والبحث عن أرضية مشتركة.
في تقديري:
فإن هذا المؤتمر يمثل بداية مسار سياسي جديد أكثر مما يمثل نهاية خلافات قديمة، فالطريق لا يزال طويلاً، والتحديات التي تواجه سورية ما زالت كبيرة، لكنني أرى أن ما شهدته أنقرة يؤسس لمرحلة مختلفة، عنوانها إعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإقليمي، وفتح صفحة جديدة مع الغرب، دون التخلي عن أولوية الحفاظ على القرار الوطني المستقل...
لهذا خرجت من متابعة المؤتمر بقناعة راسخة مفادها أن السياسة لا تُقرأ من العناوين وحدها، بل من اتجاه الريح التي تحملها الكلمات، وما رأيته في أنقرة يوحي بأن رياحاً جديدة بدأت تهب على سوريا، وأن المرحلة المقبلة ستقاس بما ستترجمه هذه الرسائل إلى خطوات عملية، لأن التاريخ لا يصنعه التصفيق أمام المنصات، بل تصنعه القرارات التي تغيّر واقع الدول والشعوب.