
هل قال ترامب الحقيقة...
أم أنه يبحث عن مخرج؟.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حديثه للقناة 12 الإسرائيلية إن "دول الوساطة طلبت منه عدم شن عمليات عسكرية، وإنه يعتقد أن الإيرانيين يريدون التوصل إلى صفقة"،ويأتي هذا التصريح في وقت أعلنت فيه واشنطن تعليق الضربات العسكرية، مع تأكيد ترامب في الوقت نفسه أنه مستعد لاستئنافها إذا فشلت المفاوضات.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
- ماذا قال ترامب؟..
بل:
-لماذا قاله؟..
هناك روايتان متداولتان:
الرواية الأولى:
هي رواية ترامب نفسه، ومفادها أن دول الوساطة، وفي مقدمتها دول إقليمية، طلبت منه منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وأن إيران أبدت استعدادًا للعودة إلى طاولة التفاوض، لذلك فضّل تأجيل الخيار العسكري. وهذه الرواية ليست مستبعدة، إذ تؤكد مصادر متعددة وجود وساطات نشطة بالفعل.
أما الرواية الثانية:
فتقول إن القيادة العسكرية الأمريكية رفعت للرئيس تقديرات تفيد بأن استمرار العمليات سيصبح أكثر كلفة، وأن بنك الأهداف الإستراتيجية تقلص، مع ضغوط تتعلق بالذخائر والجاهزية العسكرية واحتمال اتساع رقعة الحرب. وقد تحدثت تقارير إعلامية عن نصائح مباشرة من كبار القادة العسكريين بوقف التصعيد مؤقتًا...
أي الروايتين أقرب إلى الواقع؟
في تقديري، ليست إحداهما صحيحة والأخرى خاطئة، بل إن كلتيهما صحيحتان جزئيًا، كون السياسة لا تعمل بمعزل عن الواقع العسكري، كما أن القرارات العسكرية لا تُتخذ بمعزل عن الحسابات السياسية...
لذا:
من الصعب تصور أن رئيسًا أمريكيًا يوقف عملية عسكرية كبرى فقط لأن الوسطاء طلبوا ذلك، كما أنه من الصعب أيضًا الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستوقف عملياتها فقط بسبب نقص الذخائر إذا كانت ترى أن أهدافها الإستراتيجية لم تتحقق...
الأقرب إلى المنطق أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام معادلة جديدة:
- ارتفاع كلفة استمرار الحرب...
- تراجع العائد العسكري المتوقع...
- وجود نافذة دبلوماسية يمكن استثمارها...
- رغبة في الظهور بمظهر الطرف الذي منح السلام فرصة قبل العودة إلى القوة إذا لزم الأمر...
ولهذا :
قدّم ترامب القرار للرأي العام على أنه اختيار سياسي لا ضرورة عسكرية.
ويبقى السؤال هل ترامب صادق؟:
ترامب معروف بأنه يمزج بين الحقيقة والتسويق السياسي، فهو نادرًا ما يكشف كل أسباب قراراته، بل يختار الرواية التي تمنحه أكبر مكسب سياسي...
لذلك:
عندما يقول إن الوسطاء طلبوا منه التريث، فمن المرجح أن ذلك حدث بالفعل، لكن من غير المرجح أن يكون هذا هو السبب الوحيد...
والأرجح أن النصائح العسكرية المتعلقة بالكلفة والذخائر، إلى جانب المخاطر الإستراتيجية، لعبت دورًا مؤثرًا في القرار، ثم جاءت الوساطة لتوفر المخرج السياسي المناسب...
الخلاصة:
السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بحسابات الربح والخسارة، وعندما تتقاطع نصائح الجنرالات مع جهود الوسطاء، يصبح وقف العمليات قرارًا منطقيًا، حتى لو جرى تقديمه للرأي العام على أنه انتصار للدبلوماسية، لذلك، فإن تصريحات ترامب لا تبدو كاذبة بالكامل، لكنها أيضًا لا تروي القصة كاملة. فالقرار، على الأرجح، كان نتاج تداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية معًا، وليس نتيجة عامل واحد كما حاول الرئيس الأمريكي أن يوحي.