
لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص...
هل يجوز للقاضي السوري أن يؤسس الاتهام على القانون الدولي؟
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تابعت إحدى جلسات محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، حيث كان رئيس المحكمة يتلو قرار الاتهام بحق المتهم عاطف نجيب،وقد استوقفني، خلال تلاوة القرار، استناده في معرض عرضه للاتهام إلى مبادئ وقواعد واردة في القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان.
ومنذ ذلك الوقت، بقي سؤال قانوني يلح عليّ وهو:
- هل يجيز القانون الجزائي السوري للقاضي أن يبني الاتهام على الاتفاقيات الدولية، أم أن ولايته تبقى محصورة في تطبيق قانون العقوبات السوري والقوانين الجزائية النافذة؟..
في تقديري، وفي مازال عالقا في ذهني خلال دراستي الحقوق وكان هذا قبل اختراع الكتابة، وربما قبل البدء بالتأريخ المكتوب، لا بد من الانطلاق من حجر الأساس الذي يقوم عليه القانون الجنائي بأكمله، وهو مبدأ الشرعية الجزائية، الذي عبرت عنه التشريعات الجزائية الحديثة بالقاعدة الذهبية:
" لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"...
وهذه ليست قاعدة فقهية فحسب، بل هي ضمانة دستورية تحمي المجتمع كما تحمي المتهم، لأنها تمنع تحويل القضاء إلى سلطة تُنشئ الجرائم أو العقوبات من تلقاء نفسها...
ولذلك، فإن القاضي الجزائي في سورية لا يحاكم الأشخاص استنادًا إلى قناعته الأخلاقية أو السياسية، ولا إلى المبادئ العامة للقانون الدولي، وإنما يحاكمهم وفق النصوص التي أقرها المشرع السوري، فمصدر التجريم هو قانون العقوبات أو أي قانون جزائي خاص نافذ، وليس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا أي اتفاقية دولية أخرى، ما لم تكن قد أُدمجت في النظام القانوني الداخلي وبالحدود التي يسمح بها القانون...
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين يختلطان كثيرًا في النقاش القانوني:
الأول:
الاستناد إلى القانون الدولي لتفسير النصوص الوطنية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وهو أمر جائز، بل ومطلوب أحيانًا، خاصة في المسائل المتعلقة بحق الدفاع، وقرينة البراءة، ومنع التعذيب، وضمانات المحاكمة المنصفة...
أما الثاني:
وهو الأخطر، فهو جعل الاتفاقيات الدولية مصدرًا مستقلًا للتجريم أو أساسًا للإدانة. وهذا، في تقديري، يتعارض مع مبدأ الشرعية الجزائية، لأن القاضي لا يملك إنشاء جريمة لم يجرّمها المشرع، ولا توقيع عقوبة لم ينص عليها القانون...
إن العدالة الجنائية لا تتحقق بمجرد معاقبة من يُعتقد أنه مذنب، وإنما تتحقق قبل ذلك باحترام قواعد المحاكمة ذاتها، فالقاضي ليس مشرعًا، ولا يجوز له أن يحل محل السلطة التشريعية، حتى لو كان الدافع هو تحقيق العدالة أو إنصاف الضحايا...
ومن هنا:
فإنني أرى أن قرار الاتهام أمام محكمة الجنايات يجب أن يقوم أساسًا على النصوص الجزائية السورية التي تحدد الوقائع المجرّمة وأوصافها القانونية والعقوبات المقررة لها، أما الإشارة إلى الاتفاقيات الدولية، فينبغي أن تبقى في إطار التفسير أو تدعيم المبادئ القانونية، لا أن تتحول إلى مصدر مستقل للاتهام...
عموماً:
إن احترام مبدأ الشرعية ليس حمايةً للمتهم وحده، بل حمايةٌ للقضاء نفسه، فالقضاء الذي يلتزم حدود القانون يكتسب شرعيته من القانون، أما القضاء الذي يتجاوز تلك الحدود، مهما حسنت نواياه، فإنه يفتح بابًا قد يمتد أثره إلى كل متقاضٍ في المستقبل.
فالعدالة الحقيقية ليست أن نعاقب من نعتقد أنه مذنب بأي وسيلة، وإنما أن نُدينه وفق القانون، وأن يبقى القانون هو السيد الأعلى على الجميع؛ قضاةً، ونيابةً، ومتقاضين. تلك هي الدولة القانونية، وتلك هي العدالة التي تستحق أن تُبنى عليها سورية الجديدة.