
حين اختُطفت الطائفة:
كيف حوّل حافظ الأسد العلويين إلى رهائن لمشروعه العائلي؟.
ليست القضية في سورية يومًا قضية طائفة حكمت طائفة أخرى، ولا صراعًا بين سنة وعلويين، بل كانت مأساة وطن اختطفه نظام عائلي، ثم اختطف معه شريحة واسعة من أبناء الطائفة العلوية، وزجّ بها في معركة لم تكن معركتها، وربط مصيرها بمصير سلطته...
لقد أدرك حافظ الأسد منذ استيلائه على السلطة أن بقاءه لا يتحقق عبر بناء دولة مؤسسات أو ترسيخ المواطنة، وإنما عبر صناعة منظومة ولاءات مغلقة، يختلط فيها الأمن بالعائلة، والطائفة بالسلطة، والدولة بالنظام، وهكذا تحولت الطائفة العلوية، تدريجيًا، إلى خزان بشري وأمني وعسكري يحمي النظام، بينما بقيت الغالبية الساحقة من أبنائها تعاني الفقر والتهميش وضعف التنمية، تمامًا كما عانى بقية السوريين...
كان النظام يرفع شعار حماية الأقليات، لكنه في الواقع كان يستخدم الخوف وسيلة لإدامة حكمه، فقد أوحى للعلويين بأن سقوطه يعني سقوطهم، بينما أوحى لبقية السوريين بأن العلويين جميعًا شركاء في جرائمه، بهذه المعادلة الخبيثة نجح في تمزيق النسيج الوطني، وأقام جدارًا من الريبة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد...
ولو كانت السلطة العائلية قد خدمت الطائفة فعلًا، لكان الساحل السوري نموذجًا في التنمية والجامعات والاستثمار والسياحة وفرص العمل، لكن الواقع كان مختلفًا؛ فالمناطق ذات الغالبية العلوية بقيت تعاني البطالة والهجرة وسوء الخدمات، فيما كانت الثروة الحقيقية تتجمع في أيدي دائرة ضيقة من العائلة الحاكمة وشبكات الفساد المحيطة بها...
ولذلك فإن مقارنة أوضاع العلويين في سورية مع أوضاع أبناء الطائفة نفسها في دول أخرى ليست لإثبات تفوق طائفة على أخرى، وإنما لإظهار حقيقة أكثر أهمية: المشكلة لم تكن في الانتماء المذهبي، بل في طبيعة النظام السياسي، فالدولة التي تحكمها المؤسسات والقانون تفتح المجال أمام جميع مواطنيها، أما الدولة التي يحكمها الاستبداد فتحرم الجميع، حتى أولئك الذين تدّعي أنها تمثلهم...
ثم جاء بشار الأسد ليواصل النهج ذاته، مضيفًا إليه مستويات غير مسبوقة من العنف والفساد والانهيار، فكانت النتيجة أن خسر السوريون وطنهم، وخسر العلويون أيضًا أمنهم ومستقبل أبنائهم، بعدما دفعوا أثمانًا باهظة في حرب صُممت أساسًا لحماية كرسي الحكم، لا لحماية المجتمع...
لذا:
فإن أكبر جريمة ارتكبها نظام الأسد لم تكن فقط قتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، بل تحويل الطائفة العلوية إلى درع سياسي وعسكري لمشروع عائلي، وربط اسمها، ظلمًا، بكل ما اقترفه النظام من جرائم، بينما كان معظم أبنائها مجرد مواطنين يبحثون عن حياة كريمة كغيرهم من السوريين...
وعليه:
فقد آن الأوان لتحرير الحقيقة من روايات الكراهية، فلا يجوز تحميل طائفة كاملة مسؤولية نظام استبدادي، كما لا يجوز السماح لذلك النظام بأن يستمر في الاحتماء بها حتى بعد سقوطه، فالعدالة تكون بمحاسبة المجرمين أفرادًا، لا بإدانة جماعات، وبإعادة بناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون...
لقد اختطف الأسد سورية، واختطف معها الطائفة العلوية، وجعلها تدفع ثمنًا باهظًا من حاضرها ومستقبلها، ولن تبدأ المصالحة الوطنية الحقيقية إلا حين يدرك السوريون جميعًا أن المستفيد الوحيد من الانقسام الطائفي كان النظام نفسه، وأن الخلاص لا يكون إلا بدولة وطنية مدنية، لا مكان فيها لاستثمار الطوائف أو توظيفها في خدمة مشاريع السلطة والعائلة.