حين تغيّر الغرب... - هل تبدّلت المبادئ أم تبدّلت المصالح؟.. وما الثمن الذي يُراد لسوريا أن تدفعه

Salah Kirata • ٩‏/٧‏/٢٠٢٦

55483.png

حين تغيّر الغرب... 
- هل تبدّلت المبادئ أم تبدّلت المصالح؟..
 وما الثمن الذي يُراد لسوريا أن تدفعه؟.

ليس أصعب على الباحث في العلاقات الدولية من أن يحاول تفسير التحولات الكبرى بمنطق الشعارات، لأن السياسة الدولية لم تُبنَ يومًا على الأخلاق وحدها، ولا على العواطف، ولا حتى على الثبات في المواقف، إنه عالم تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه موازين الحق، وتديره المصالح أكثر مما تديره المبادئ...

من هذا المنطلق، تبدو سورية اليوم أمام واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للتأمل...

فعلى امتداد ما يقارب نصف قرن، كانت دمشق تقول إنها تخوض حربًا ضد الإرهاب، مستندةً إلى محطات دامية بدأت مع تصاعد العنف في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكانت حادثة مجزرة كلية المدفعية في حلب عام 1979 واحدةً من أكثر تلك المحطات تأثيرًا في الوعي السوري، ومنذ ذلك التاريخ، تشكلت رواية رسمية مفادها أن الدولة تواجه مشروعًا جهاديًا يستهدف إسقاطها وتقويض مؤسساتها...

غير أن الغرب لم يتبنَّ هذه الرواية كاملة، بل نظر إلى النظام السوري من خلال ملفات أخرى أيضًا، تتعلق بتحالفاته الإقليمية، وسياساته الخارجية، ثم بما جرى بعد عام 2011، وهكذا، بقيت العلاقة بين دمشق والعواصم الغربية علاقة شك عميق، انتهت بعقوبات وعزلة امتدتا سنوات طويلة...

واليوم:
 تتبدل الصورة بصورة تكاد تكون صادمة، فالعواصم ذاتها التي رفعت راية مكافحة الإرهاب لعقود، تتعامل بمرونة أكبر مع سلطة سورية جديدة تضم في بنيتها قوى أو شخصيات ارتبطت في مراحل سابقة بخلفيات جهادية أو كانت موضع تصنيفات أمنية، وقد يختلف المراقبون في تقييم هذا التحول، لكنهم يكادون يتفقون على أن شيئًا جوهريًا قد تغير...

- فهل تغيرت المبادئ؟..
- أم أن المصالح وحدها هي التي أعادت رسم الخريطة؟..

في تقديري، لم تتغير المبادئ بالقدر الذي تغيرت فيه الحسابات، فالولايات المتحدة وفرنسا لم تكتشفا فجأة أن الشرق الأوسط أصبح أكثر ديمقراطية، ولا أن الجماعات المسلحة فقدت تاريخها، وإنما اكتشفتا أن خرائط النفوذ تبدلت، وأن سورية الجديدة قد تكون مدخلًا لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحهما...

إن من يقرأ التاريخ يدرك أن القوى الكبرى لا تمنح الشرعية، بل تعترف بمن تفرضه الوقائع، وهي لا تتعامل مع الحكومات لأنها تحبها، وإنما لأنها تحتاج إليها...

ومن هنا:
فإن السؤال الحقيقي ليس:
-  لماذا تدعم واشنطن وباريس العهد الجديد؟..
بل هو:
- ماذا تريدان منه؟..

ذلك أن السياسة الدولية لا تعرف شيئًا اسمه " الدعم المجاني"، ولعل أول ما يريده الغرب هو تثبيت القطيعة الاستراتيجية بين دمشق وطهران، وإخراج سورية نهائيًا من دائرة النفور الإيراني التي شكلت، طوال عقود، أحد أعمدة التوازنات في المشرق...

وثاني ما يريده هو تقليص الحضور الروسي في شرق المتوسط، بعدما أصبحت الحرب في أوكرانيا عنوانًا لصراع عالمي يتجاوز حدود أوروبا...

أما الهدف الثالث، فهو بناء سلطة قادرة على ضبط الأرض ومنع عودة تنظيم داعش أو غيره من التنظيمات المتطرفة، لأن الغرب بات ينظر إلى الاستقرار، ولو كان ناقصًا، باعتباره أقل كلفة من الفوضى الشاملة...

لكن هذه الأهداف، على أهميتها، ليست سوى جزء من الصورة، كون الجزء الأكثر حساسية يتعلق بمستقبل سورية السياسي، فالغرب، على الأرجح، لا يريد فقط تغيير السلطة، بل يريد أيضًا تغيير وظيفة الدولة السورية في الإقليم؛ أن تنتقل من دولة كانت لاعبًا في معادلات الصراع، إلى دولة منشغلة بإعادة بناء الداخل، وأكثر ارتباطًا بالمنظومة الاقتصادية والسياسية الدولية...

كما أن ملف إعادة الإعمار لن يكون، على الأرجح، ملفًا اقتصاديًا صرفًا، بل سيكون أداة تأثير سياسي، لأن الأموال الكبرى لا تتحرك عادة إلا عندما تتوافر البيئة التي تضمن مصالح أصحابها.

ومن هنا، فإن رفع العقوبات، وفتح أبواب التمويل، وإعادة دمج سورية في النظامين العربي والدولي، قد تكون جميعها جزءًا من عملية تفاوض طويلة، لا تُدار بالتصريحات الإعلامية، بل بالرسائل الهادئة والاتفاقات غير المعلنة...

وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه الأخطر وهو :
- هل المطلوب من سوريا أن تستعيد عافيتها؟..
-  أم أن يعاد تشكيل موقعها الجيوسياسي؟..

الفرق بين السؤالين هائل:

- فإذا كان المطلوب هو مساعدة السوريين على بناء دولتهم، فإن ذلك يصب في مصلحة الجميع...
- أما إذا كان المطلوب هو إعادة هندسة القرار الوطني السوري بما يجعله جزءًا من ترتيبات إقليمية جديدة، فإننا نكون أمام مرحلة مختلفة تمامًا، عنوانها النفوذ لا الشراكة، والمقايضة لا التعاون...

ولا أعتقد أن دولة عاقلة تستطيع أن ترفض الانفتاح الدولي، ولا أن تتمسك بالعزلة بوصفها فضيلة سياسية، لكنني أعتقد، في الوقت ذاته، أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول الخارجة من الحروب هو أن تختلط عليها الحدود بين المساعدة والوصاية، وبين الشراكة والإملاء، لأن التاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى لا تقدم شيئًا بلا مقابل، لكنه يعلمنا أيضًا أن الدول القوية ليست هي التي ترفض التفاوض، وإنما هي التي تعرف حدود ما يمكن التفاوض عليه، وحدود ما لا يجوز أن يكون محل تفاوض...

ختاما :
في رأيي، لا ينبغي للسوريين أن ينظروا إلى الانفتاح الأمريكي والفرنسي بوصفه منحة، ولا أن يرفضوه بوصفه مؤامرة، فالغرب يتحرك وفق مصالحه، وهذا ليس جديدًا، كما أن من حق سوريا أن تتحرك وفق مصالحها هي أيضًا، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في كسب رضا العواصم الكبرى، بل في بناء دولة تمتلك من الشرعية الداخلية والقوة المؤسسية ما يجعلها قادرة على التعامل مع العالم بندية واحترام متبادل، فقد تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتتغير خرائط النفوذ، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الدول التي تبني قرارها على مصالحها الوطنية وحدها هي التي تنجح في عبور التحولات الكبرى بأقل الخسائر وأكثر المكاسب...

ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحًا في السنوات المقبلة ليس: 
- هل تغيّر الغرب؟..
 بل: 
- هل تستطيع سورية أن تستثمر هذا التحول لمصلحة شعبها ودولتها، أم أن الآخرين سيستثمرونه لمصلحة مشاريعهم؟..
 ذلك هو السؤال الذي سيكتب الإجابة عنه التاريخ، لا البيانات السياسية.