سورية بين الدولة والحكم: قراءة تاريخية في مسار التحول السياسي (1963–2024).

Salah Kirata • ١٢‏/٧‏/٢٠٢٦

56122.png

سورية بين الدولة والحكم:
 قراءة تاريخية في مسار التحول السياسي (1963–2024).

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليست التحولات الكبرى التي شهدتها سورية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 حدثاً يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي الذي سبقها، فالأحداث التي انتهت بسقوط نظام حكم استمر أكثر من نصف قرن لم تنشأ في لحظة عسكرية خاطفة، وإنما جاءت تتويجاً لمسار طويل من التحولات السياسية والمؤسسية والاجتماعية والاقتصادية التي بدأت منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وتعاقبت عليها محطات مفصلية أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والسلطة، وبين المجتمع ومؤسساته...

ولا أدّعي في هذا المقال امتلاك الحقيقة الوحيدة، وإنما يقدم قراءة تستند إلى الوقائع التاريخية، وتنطلق من فرضية مفادها أن تراجع الدولة السورية لم يكن نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تراكمات داخلية عميقة تفاعلت مع متغيرات إقليمية ودولية، حتى وصلت البلاد إلى لحظة الانهيار السياسي في نهاية عام 2024...

كان عام 1963 نقطة انعطاف في تاريخ المشرق العربي، ففي العراق أطاح حزب البعث بحكم عبد الكريم قاسم، وفي سورية استولى الضباط البعثيون على السلطة في الثامن من آذار، ومع هذا التحول بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها الدولة من التعددية السياسية الهشة إلى نظام يقوم على التحالف بين المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم...

ومنذ ذلك التاريخ أخذ الجيش يتداخل بصورة متزايدة مع العمل السياسي، بينما تراجعت الأحزاب التقليدية، وتقلص المجال العام، وتوسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وبقيت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية حاضرة في الخطاب الرسمي، إلا أن بنية الحكم اتجهت تدريجياً نحو مركزية القرار واحتكار السلطة...

وجاءت الحركة التصحيحية عام 1970 لتفتح مرحلة مختلفة بقيادة حافظ الأسد، الذي نجح في إنهاء الصراعات الداخلية داخل حزب البعث، وأقام نظاماً اتسم بدرجة عالية من المركزية والانضباط المؤسسي، وقد اعتمد هذا النظام على توازنات دقيقة بين المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارة المدنية، واستطاع أن يحافظ لعقود على استقرار سياسي وأمني نسبي، رغم ما شهدته البلاد من صدامات دامية، كان أبرزها أحداث مدينة حماة عام 1982، إضافة إلى القيود الواسعة التي فرضت على الحياة السياسية والإعلامية...

ورغم الطبيعة السلطوية للنظام، بقيت مؤسسات الدولة تحتفظ بقدر من التماسك الإداري، واستمرت البيروقراطية الحكومية في أداء وظائفها الأساسية، كما حافظ الاقتصاد، رغم أزماته، على قدر من التوازن الذي منع حدوث انهيار شامل...

غير أن عام 2000 مثل محطة فارقة في تاريخ الجمهورية السورية، فقد أدى انتقال السلطة إلى بشار الأسد، بعد تعديل دستوري سريع، إلى تكريس مبدأ التوريث السياسي داخل نظام جمهوري، وهنا أقول إنه من تلك اللحظة شهدت سورية تحولاً عميقاً في طبيعة النظام، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على استمرارية السلطة، بل على إعادة تعريف الدولة نفسها بوصفها مرتبطة باستمرار العائلة الحاكمة...

وخلال العقدين التاليين شهدت البلاد تغيرات اقتصادية واجتماعية واسعة، فقد توسعت شبكات النفوذ الاقتصادي، وبرزت ظاهرة رأسمالية المحاسيب، وازدادت الفجوة بين المركز والأطراف، بينما تراجعت قدرة مؤسسات الدولة على إنتاج الكفاءة الإدارية، وأصبح معيار الولاء السياسي أكثر حضوراً في شغل المواقع الحساسة...

وفي الوقت نفسه، لم تترافق الإصلاحات الاقتصادية المحدودة مع انفتاح سياسي موازٍ، الأمر الذي أدى إلى تراكم الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً في المناطق الريفية والشرائح الفقيرة والمتوسطة..ظ

ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011 دخلت سورية أخطر مراحل تاريخها الحديث، وسرعان ما تحولت الأزمة إلى نزاع مسلح متعدد المستويات، تشابكت فيه العوامل المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، وتحولت الأراضي السورية إلى ساحة صراع بين قوى متعددة المصالح...

وخلال سنوات الحرب تعرضت المدن والبنية التحتية لدمار واسع، ووقعت موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة، بينما تراجعت مؤسسات الدولة بصورة متسارعة، وتزايد اعتماد النظام على الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي القادم من روسيا وإيران، الأمر الذي جعل بقاءه مرتبطاً بدرجة كبيرة باستمرار هذا الدعم...

وفي المقابل، أدى إضعاف القوى المدنية والسياسية التقليدية، سواء بفعل القمع أو الحرب أو الهجرة، إلى صعود الفصائل المسلحة بوصفها القوة الأكثر تنظيماً على الأرض. ومع مرور الوقت أصبحت الجماعات ذات المرجعيات الإسلامية اللاعب الأكثر حضوراً في مناطق واسعة من البلاد، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على ملء الفراغ السياسي.

وعندما شهد عام 2024 تغيراً في موازين القوى، وتراجعت قدرة الحلفاء الخارجيين للنظام على مواصلة الدعم بالمستوى السابق، ظهرت هشاشة البنية العسكرية والإدارية للدولة بصورة غير مسبوقة. فقد كشفت سرعة الانهيار أن مؤسسات كثيرة كانت تعتمد في بقائها على منظومة الولاء أكثر من اعتمادها على الكفاءة المؤسسية أو الشرعية السياسية...

وبوصول القوى التي تقودها هيئة تحرير الشام إلى دمشق، دخلت سورية مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن كل المراحل السابقة، ولم يكن التحدي مقتصراً على انتقال السلطة، بل تمثل أيضاً في إدارة دولة أنهكتها الحرب، واقتصاد يكاد يكون منهاراً، ومجتمع يعاني انقسامات عميقة، ومؤسسات فقدت كثيراً من قدرتها على أداء وظائفها...

إن قراءة هذه المرحلة لا تكتمل بإرجاعها إلى سبب واحد، كما لا يمكن تفسيرها بعامل خارجي منفرد، فالتحولات الكبرى في التاريخ تنشأ عادة من تفاعل معقد بين طبيعة النظام السياسي، والأداء الاقتصادي، وبنية المؤسسات، والعلاقات الاجتماعية، والبيئة الإقليمية والدولية...

ومن هنا، فإن تجربة سورية بين عامي 1963 و2024 تقدم درساً بالغ الأهمية في علم السياسة؛ إذ تؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية والعسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وإتاحة المشاركة السياسية، وتجديد شرعيتها بصورة مستمرة...

لقد شهدت سورية خلال ستة عقود انتقالاً من دولة الحزب الواحد، إلى الدولة الأمنية، ثم إلى مرحلة اتسمت بتزايد الطابع الشخصاني والعائلي للحكم، قبل أن تنتهي إلى انهيار سياسي وعسكري فتح الباب أمام واقع جديد ما تزال ملامحه قيد التشكل...

ويبقى الحكم النهائي على هذه المرحلة مسؤولية المؤرخين، بعد أن تهدأ الصراعات وتُفتح الأرشيفات وتتكامل الوثائق، أما الثابت حتى الآن فهو أن التاريخ السوري بين عامي 1963 و2024 يمثل واحدة من أكثر التجارب العربية تعقيداً، وأن فهمها يتطلب الابتعاد عن التبسيط، والاقتراب من الوقائع، لأن الأمم لا تتعلم من التاريخ إلا عندما تقرأه بعين النقد، لا بعين الانتصار أو الهزيمة، إلا أني وربما بتطرف احمل كامل المسؤولية لما آلت إليه الأمور ليس للنظام السوري بكل مؤسساتها بل إلى الاسدين الاب والابن الاول الذي ورث الحكم، والثاني الذي شغل منصبا ليس لديه اي مؤهل لاشغاله إلا أنه ابن لرئيس سابق خدع الحزب وركب الطائفة وحرف عقيدة الجيش من جيش كان يوصف بدرع الأمة العربية، إلى جيش النظام وصولا لأن يصير جيش العائلة فتمت شيطنته بامتياز ما سهل تدميره لحساب الدولة العبرية.