
كيف ضاع الوطن؟.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
"الأوطان لا تضيع حين تُهزم في الحروب، بل حين يتآكل الإحساس المشترك بالانتماء إليها".
لم يضِع الوطن السوري في لحظة واحدة، كما لم يسقط نتيجة حدث مفرد أو قرار سياسي أو عسكري بعينه، بل تدرّج في مسار طويل من التحولات البطيئة التي لا تُرى في وقتها، لكنها تتراكم في العمق حتى تصبح هي الواقع نفسه، فالأوطان لا تنهار كما تنهار المباني تحت القصف أو كما تسقط الأنظمة في لحظة انقلاب، بل تتآكل من الداخل، بصمت، عبر سنوات طويلة، إلى أن تصل إلى نقطة يصبح فيها الانهيار نتيجة طبيعية لمسار لم يعد قابلاً للعكس.
هذا النوع من الانهيار لا يبدأ في السياسة، بل في ما قبل السياسة اقصد أنه :
في الوعي الجمعي، في تعريف الناس لمعنى الدولة، وفي طبيعة العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وفي السؤال العميق الذي لا يُطرح عادة بشكل مباشر وهو : - هل يشعر الإنسان أن الدولة امتداد له...
- أم أنها كيان منفصل عنه، وربما مفروض عليه؟..
حين يضعف هذا الشعور، لا تعود الأحداث الكبرى هي التي تصنع التاريخ، بل يصبح التاريخ نفسه مجرد انعكاس لتراكمات أعمق من الوعي، من الخوف، ومن إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية تحت ضغط الزمن.
من السهل، بل من الطبيعي، أن يبحث الإنسان عن " بداية " واضحة لأي أزمة كبرى. فالعقل يميل إلى تبسيط التعقيد، ويبحث دائماً عن نقطة يمكن الإمساك بها: انقلاب عسكري، حرب، احتجاجات، أو تدخل خارجي، غير أن هذا النوع من التفسير، رغم شيوعه، يخفي أكثر مما يشرح، لأنه يفترض أن التاريخ يتحرك في قفزات واضحة، بينما هو في الواقع يتشكل من طبقات متراكمة لا تُرى إلا بعد فوات الأوان...
ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة لا ينبغي أن يكون:
- متى بدأت الأزمة؟..
بل:
- كيف تشكّل مجتمع يمكن أن يدخل في هذه الأزمة بهذه الطريقة؟..
هذا السؤال ينقلنا من مستوى الحدث إلى مستوى البنية، من سطح السياسة إلى عمق الاجتماع، من النتائج إلى الشروط التي جعلت هذه النتائج ممكنة...
إن فكرة أن الانقسامات في المجتمعات تنشأ من التنوع الديني أو القومي أو المذهبي هي فكرة شائعة لكنها ناقصة علمياً وتاريخياً، فالتنوع في حد ذاته ليس سبباً للصراع، بل قد يكون مصدر قوة واستقرار إذا وُجد إطار جامع يحوله إلى عنصر تكامل، على العكس، هناك مجتمعات شديدة التنوع لكنها أكثر استقراراً من مجتمعات أقل تنوعاً بكثير، لأن العامل الحاسم ليس درجة التنوع، بل طبيعة العقد السياسي والاجتماعي الذي ينظم هذا التنوع...
وفي المقابل:
هناك مجتمعات متجانسة نسبياً لكنها دخلت في صراعات داخلية عنيفة، لأن المشكلة لم تكن في الاختلاف، بل في غياب أو ضعف فكرة “الوطن المشترك” كإطار جامع فوق كل الانتماءات الجزئية...
في الحالة السورية، لم يكن التنوع الديني أو المذهبي أو القومي هو نقطة الخلل، فقد عاشت البلاد لعقود طويلة حالة من التداخل الاجتماعي اليومي، خاصة في المدن الكبرى التي كانت أشبه بشبكات مفتوحة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لم يكن الإنسان يُعرَّف فقط بانتمائه الأولي، بل أيضاً بمهنته، بمكان سكنه، بعلاقاته، وبشبكة المصالح اليومية التي تربطه بالآخرين...
لكن هذا التداخل، رغم عمقه الاجتماعي، لم يكن دائماً مبنياً على عقد وطني صلب ومؤسس بشكل كافٍ، بل كان يقوم على توازنات قابلة للاهتزاز، توازنات اجتماعية واقتصادية وسياسية تعمل طالما بقيت الدولة قادرة على ضبط الإيقاع العام، لكنها لا تضمن وحدها الصمود أمام الصدمات الكبرى...
ومع كل أزمة كانت تمر بها البلاد، كانت تظهر شروخ صغيرة في هذا البناء، في البداية تكون هذه الشروخ غير مرئية تقريباً، أو يتم التعامل معها بوصفها أحداثاً عابرة، لكنها لا تختفي، بل تُدار بشكل مؤقت، أو تُرحّل إلى المستقبل، أو تُغطى بخطاب سياسي أو إداري، دون معالجة جذورها العميقة.
ومع مرور الزمن، لا تتراكم الأحداث فقط، بل تتراكم أيضاً طرق التعامل معها، حتى تصبح طريقة الإدارة نفسها جزءاً من المشكلة. وهكذا يتحول الزمن السياسي إلى طبقات فوق بعضها البعض من الحلول المؤجلة...
في هذا السياق:
يصبح مفهوم الدولة نفسه موضع إشكال غير معلن، فالدولة الحديثة، نظرياً، ليست مجرد جهاز سلطة، بل هي عقد اجتماعي يقوم على فكرة أساسية:
" أن جميع المواطنين شركاء في هذا الكيان، بغض النظر عن اختلافاتهم"
لكن هذا التصور النظري لا يتحول تلقائياً إلى واقع اجتماعي، بل يحتاج إلى تراكم طويل من التجربة اليومية التي تعزز هذا الإحساس...
وحين لا يترسخ هذا الإدراك بشكل كافٍ، تبدأ الدولة في الظهور في الوعي العام ليس كـ 'نحن'، بل كـ 'هم'، أي كجهاز منفصل، يدير المجتمع بدلاً من أن يكون جزءاً منه. وهذا التحول، رغم أنه قد لا يُعلن، إلا أنه يغير جذرياً طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة.
فعندما تُدرك الدولة كسلطة خارجية، يصبح سلوك الفرد تجاهها قائماً على الحذر، أو التكيف، أو البحث عن الحماية في دوائر أصغر وأكثر قرباً: العائلة، الطائفة، المنطقة، أو أي بنية اجتماعية توفر له الأمان المباشر. أما عندما تُدرك الدولة كعقد مشترك، فإن العلاقة تتحول إلى علاقة مسؤولية وشراكة.
هذا الفرق بين "الدولة كسلطة" و"الدولة كعقد" هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم مسار المجتمعات الحديثة، وخاصة تلك التي مرت بتجارب انتقال سياسي معقدة.
في الحالة السورية، ومع مرور الزمن، لم تكن الولاءات الكبرى هي الوحيدة التي تتحرك في المجتمع، بل كانت هناك دائماً ولاءات أصغر وأكثر قرباً، تعمل بصمت داخل البنية الاجتماعية، هذه الولاءات لم تكن بالضرورة في حالة صدام مع فكرة الوطن، لكنها كانت جاهزة دائماً لتكون المرجعية الأولى في لحظات الضعف أو الخوف...
فالإنسان، في النهاية، لا يعيش في إطار نظري مجرد، بل داخل دوائر متدرجة من الانتماء، تبدأ من الذات، ثم العائلة، ثم الدائرة الاجتماعية الأقرب، ثم تتسع تدريجياً لتشمل الدولة والوطن...
لكن هذا التدرج لا يكون دائماً متوازناً، بل يمكن أن يختل بحيث تصبح الدوائر الصغيرة أقوى من الدائرة الكبرى.
ومع تراكم الأزمات، لم تكن المشكلة الأساسية في حدوث الأحداث، بل في طبيعة إدارتها، إذ كثيراً ما كانت الاستجابة للأزمات تركز على احتواء النتائج، لا على معالجة الأسباب. وبهذا المعنى، لم يكن يتم التعامل مع البنية التي تنتج الأزمة، بل مع أعراضها فقط.
ومع الوقت، تراكمت هذه المعالجات المؤقتة، حتى أصبحت طبقة مستقلة فوق الواقع نفسه، بدل أن تكون وسيلة لتغييره...
وحين وصلت البلاد إلى لحظات الانفجار الكبرى، لم تكن الحرب هي التي خلقت الانقسام، بل كانت نقطة كشف لما كان موجوداً بالفعل. فالحرب، في طبيعتها الاجتماعية، لا تصنع الهويات من العدم، بل تعيد ترتيبها تحت ضغط الخوف. وفي لحظات الخوف الشديد، تتراجع المسافات الرمزية بين الناس، وتتحول العلاقات الاجتماعية من علاقات ثقة إلى علاقات حذر، ومن علاقات تعايش إلى علاقات تصنيف...
في تلك اللحظة:
لا يعود المجتمع مجموعة أفراد يتشاركون مساحة جغرافية واحدة، بل يتحول إلى شبكة من التعريفات المتقابلة:
من نحن، ومن هم، ومن يقف مع من، ومن يعارض من.
وهنا يحدث أخطر تحول:
تحول معنى الوطن نفسه، فبدلاً من أن يكون الوطن إطاراً جامعاً فوق كل الانقسامات، يصبح موضوعاً داخل الانقسام نفسه. أي يصبح الوطن نفسه محل نزاع: من يعرّفه؟ من يملك حق تمثيله؟ من يتحدث باسمه؟
ومع هذا التحول، يتغير السؤال السياسي الأساسي. فبدلاً من أن يكون السؤال:
- كيف نبني دولة؟..
يصبح السؤال:
- من يسيطر على الدولة؟..
وهذا التحول ليس مجرد تغيير في اللغة السياسية، بل هو تحول في بنية التفكير نفسها، من منطق الشراكة إلى منطق الغلبة، ومن منطق إدارة الاختلاف إلى منطق إدارة الصراع.
ومع استمرار هذا المسار، لا تتغير الحاضر فقط، بل يُعاد تشكيل الماضي أيضاً. إذ تبدأ كل جهة في إعادة قراءة التاريخ من موقعها، وتفسير الأحداث وفق سرديتها الخاصة، حتى يصبح التاريخ نفسه ساحة نزاع موازية للواقع...
في النهاية:
لا يحدث ضياع الوطن عند سقوط مدينة أو انهيار مؤسسة أو حتى اندلاع حرب، بل يحدث عندما يبدأ الانقسام في الوعي نفسه، عندما يصبح الآخر موضع شك دائم، لا شريكاً في الانتماء. عندها فقط يبدأ التفكك الحقيقي، حتى لو بقيت الدولة قائمة شكلياً.
ومن هنا فإن استعادة الوطن لا يمكن أن تكون مجرد عملية إعادة إعمار مادي أو إعادة بناء مؤسسات، بل هي قبل ذلك إعادة بناء للفكرة نفسها: فكرة أن الوطن ليس ملكاً لأحد، بل إطار مشترك للوجود السياسي والاجتماعي.
فالوطن ليس حدوداً مرسومة على الخرائط، ولا مؤسسات قائمة، ولا شعارات سياسية، بل هو الثقة غير المرئية التي تجعل الإنسان يشعر أن اختلافه لا يلغي حقه في الانتماء، وأن الدولة ليست غنيمة، بل عقداً مستمراً بين جميع مواطنيها.
واليوم، لم تعد سوريا أمام سؤال الماضي، بل أمام سؤال المستقبل: هل يمكن إعادة بناء الدولة قبل إعادة بناء فكرة الوطن؟
وقد تبدو الإجابة سياسية في ظاهرها، لكنها في جوهرها أعمق بكثير: إنها مسألة تتعلق بالثقافة السياسية، وبالأخلاق العامة، وبطريقة إدراك الناس لمعنى العدالة والانتماء والحق. فالدساتير يمكن كتابتها، والمؤسسات يمكن إنشاؤها، لكن الثقة لا تُبنى إلا عبر زمن طويل وتجربة متكررة يشعر فيها الجميع بأن القواعد واحدة، وأن الكرامة لا تُجزأ، وأن الدولة لا تُدار بمنطق الفئة بل بمنطق الجميع.
ومن هنا تبدأ هذه الرحلة، ليست رحلة بحث عن مذنب، ولا عن لحظة سقوط، بل محاولة لفهم المسار الكامل الذي قاد إلى هذا الواقع، وكيف يمكن تفكيك هذا المسار حتى لا يتكرر مرة أخرى.