
السلاح والانسحاب:
جدلية المعادلة المستحيلة بين لبنان وإسرائيل.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تعود العلاقة بين سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى الواجهة كلما طُرحت مبادرات تفاوضية أو “أطر تسوية” جديدة، تقوم في جوهرها على فكرة تبدو بسيطة:
- نزع السلاح مقابل الانسحاب، غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي خلفها تعقيداً استراتيجياً عميقاً يجعل المعادلة أقرب إلى اختبار سياسي مفتوح منها إلى صفقة قابلة للتنفيذ...
فالمسألة ليست تبادلاً مباشراً بين طرفين متقابلين، بل تداخل بين منطقين مختلفين تماماً:
- منطق الردع غير الرسمي الذي تمثله قوة مسلحة خارج الدولة، ومنطق الأمن القومي الإسرائيلي الذي لا يقوم فقط على الرد على التهديدات، بل على إعادة تعريف البيئة المحيطة به أمنياً وسياسياً...
في حال النظر إلى الفرضية الأكثر تداولا – أي تسليم السلاح مقابل انسحاب إسرائيلي – فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان لم يكن يوماً نتيجة تنازل مباشر أمام طرف لبناني، بل نتيجة حسابات كلفة وبقاء، انسحاب عام 2000 لم ينتج عن اتفاق سياسي ثنائي، بل عن تحول في جدوى الوجود العسكري داخل الجنوب مقارنة بالمخاطر والتكاليف.
بالتالي:
حتى في حال تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، فإن الانسحاب لا يصبح تلقائياً أو مضموناً، بل يبقى مرتبطاً بعوامل أخرى:
طبيعة الضمانات الدولية، قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الحدود، ومستوى الاستقرار الإقليمي في سوريا وما بعدها. أي أن السلاح ليس “شرطاً وحيداً” للوجود الإسرائيلي، كما أن غيابه ليس شرطاً كافياً للانسحاب...
لكن إذا انتقلنا إلى الاحتمال المعاكس، أي نزع السلاح دون انسحاب واضح أو كامل، فإننا نكون أمام تحول داخلي أكثر تعقيداً داخل لبنان نفسه. فغياب السلاح هنا لا يعني تلقائياً نهاية التوتر، بل إعادة توزيع له: من مواجهة عسكرية مباشرة إلى ضغط سياسي وأمني متعدد الطبقات، في ظل دولة لا تمتلك بالضرورة القدرة الفورية على ملء الفراغ الأمني...
في هذا السياق:
لا ينتهي منطق الردع، بل يتغير شكله فقط، ويصبح سؤال الأمن مرتبطاً بقدرة الدولة على إنتاج بديل واقعي لمنظومة القوة القائمة، لا بمجرد إنهائها...
أما الحالة القائمة فعلياً:
فهي حالة توازن هشّ، لا هي حرب مفتوحة ولا سلام مستقر، إسرائيل تحتفظ بحرية حركة جوية واستخباراتية واسعة، وحزب الله يحتفظ بقدرة ردع تمنع تحول أي مواجهة إلى حرب شاملة، هذا التوازن لا يقوم على اتفاق، بل على حسابات كلفة متبادلة، وهو بطبيعته غير مستقر، لأن أي تغير إقليمي – في سوريا، إيران، أو داخل إسرائيل نفسها – يمكن أن يعيد خلط قواعده بسرعة...
من هنا:
يتضح أن اختزال العلاقة بين السلاح والانسحاب في معادلة تبادلية مباشرة هو تبسيط لا يعكس الواقع، فكل طرف يستخدم عناصر القوة المتاحة له ضمن منظومة أوسع من الحسابات الإقليمية، وليس ضمن صفقة ثنائية مغلقة...
إسرائيل لا تُحدد سياساتها في لبنان فقط وفق وجود أو غياب حزب الله، بل وفق تصورها للعمق الإقليمي كله، وحزب الله لا يبني موقعه على وظيفة محلية فقط، بل على موقعه ضمن توازن ردع إقليمي أوسع يتصل بإيران وسورية...
الخلاصة :
أن ما يُطرح كمعادلة “سلاح مقابل انسحاب” ليس في الواقع صفقة قابلة للحسم، بل اختبار طويل لطبيعة التوازن في المنطقة. فالسلاح وحده لا يفسر بقاء الاحتلال أو زواله، كما أن الانسحاب ليس نتيجة ميكانيكية لنزع السلاح...
لذا:
فإن ما بين الطرفين، يبقى لبنان في منطقة رمادية:
- دولة تحاول تثبيت سيادتها ضمن بيئة إقليمية غير مستقرة...
- وحدود مشدودة على توازن ردع غير مكتمل، لا يملك أي طرف منفرد القدرة على إنهائه أو تثبيته بشكل نهائي...
وبهذا المعنى:
فإن الأزمة ليست في وجود السلاح وحده، ولا في وجود الاحتلال وحده، بل في غياب إطار إقليمي مستقر يجعل من أي معادلة أمنية قابلة للتحول إلى تسوية حقيقية بدل أن تبقى إدارة دائمة للصراع.