
من احتكار السلطة إلى رهان الدولة المدنية.
لم تعرف سورية، طوال أكثر منذ مازاد خمسة عقود، تجربة حقيقية لدولة المؤسسات القائمة على سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، فقد تعاقب نظامان اختلفا في الخطاب، لكنهما تشابها، بدرجات متفاوتة، في احتكار القرار وإضعاف الحياة السياسية، ما حال دون نشوء عقد اجتماعي يؤسس لدولة المواطنة...
لقد أرسى حافظ الأسد نموذج الدولة الأمنية، حيث تركزت السلطات في يد الرئاسة، وتراجعت استقلالية المؤسسات، وتحولت الأحزاب إلى أطر شكلية، بينما تعرض المعارضون للإقصاء والاعتقال، بل طال التهميش شركاء الأمس عندما اختلفوا مع مركز القرار. وعندما انتقلت السلطة إلى بشار الأسد، بقيت البنية ذاتها، بل تعمقت مع انتشار الفساد، وتراجع الحريات،واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، حتى وصلت البلاد إلى انفجار عام 2011...

ومع ذلك، فإن تصوير مرحلة ما قبل 2011 بوصفها زمنًا ذهبيًا لا يصمد أمام قراءة موضوعية؛ فالاستقرار آنذاك كان يقترن بغياب المشاركة السياسية، وضعف المحاسبة، واختلالات اقتصادية واجتماعية ساهمت في إنتاج الأزمة...
وفي المقابل:
برزت خلال سنوات الصراع سلطات أمر واقع رفعت شعارات مختلفة، لكنها تعرضت لانتقادات بسبب ممارساتها، ففي مرحلة سيطرة أبو محمد الجولاني على إدلب، رأى كثير من السوريين أن أسلوب الحكم أعاد إنتاج منطق احتكار السلطة وتقييد المجال العام، وإن اختلفت المرجعيات...
ومع انتقاله ليعلن عن نفسه بـ ( أحمد الشرع ) ومن خلاله إلى رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية، تغير الموقع السياسي، لكن طبيعة السلطة ما زالت محل جدل، فبالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، لا تزال الحكومة الانتقالية سلطة أمر واقع يغلب عليها اللون السياسي الواحد، ولم تقدم حتى الآن مؤشرات كافية على انتقال فعلي نحو دولة مدنية ديمقراطية تقوم على التعددية، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وعقد اجتماعي يشارك في صياغته جميع السوريين...
وهنا تكمن جوهر الأزمة السورية؛ فهي ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة نموذج حكم، فحين تحتكر أي سلطة القرار، وتختزل الدولة في جماعة أو حزب أو قائد، فإنها تعيد إنتاج الاستبداد مهما اختلفت أسماؤها وشعاراتها...
لم يضحِّ السوريون من أجل نظام بآخر، بل من أجل دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والسلطة نتاج الإرادة الشعبية، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات. ويبقى الأمل معقودًا على جيل الشباب، القادر على تجاوز إرث الاستبداد وبناء دولة حديثة تستند إلى دستور توافقي، ونظام برلماني تعددي، ومؤسسات مستقلة، وعدالة متساوية بين جميع المواطنين.
إن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بتغيير الحكام، بل بتغيير قواعد الحكم نفسها، فالدول لا تبنى بالأشخاص، وإنما بالمؤسسات، ولا تستقر بالشعارات، وإنما بالعقد الاجتماعي الذي يجعل جميع المواطنين شركاء متساوين في وطن واحد.أعجبتني هذه النسخة أكثر من السابقة، لأنها أكثر كثافة وسلاسة، وتنتهي بعبارة تلخص الفكرة كلها: "إن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بتغيير الحكام، بل بتغيير قواعد الحكم نفسها." وهي خاتمة تحمل الرسالة السياسية للمقال دون إطالة أو تكرار.