لا تقتلوا العدالة قبل أن تولد، فالشعوب لا تغفر الخيانة مرتين

Salah Kirata • ٢٥‏/٧‏/٢٠٢٦


61007.png

لا تقتلوا العدالة قبل أن تولد...                                   فالشعوب لا تغفر الخيانة مرتين:

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بحجم الحدث، بل بما يترتب عليه من مصير. ومحاكمة وسيم الأسد ليست مجرد ملف قضائي يُفتح ثم يُغلق، بل هي اللحظة التي سيقرر فيها السوريون إن كانت دولتهم الجديدة قد وُلدت حقًا، أم أن الوجوه تبدلت وبقيت القواعد نفسها...
معلوم:
أن وسيم الأسد ليس متهمًا عابرًا، إنه أحد أكثر الأسماء التصاقًا، في نظر شريحة واسعة من السوريين، بسنوات الخوف والابتزاز والخطف والقتل والإذلال. ولذلك، فإن محاكمته لا تعني شخصه وحده، بل تعني أن الدولة قررت أخيرًا أن تضع حدًا لعقود من الإفلات من العقاب...

لقد استدرجته الدولة في عملية أمنية محكمة، وأُلقي القبض عليه وهو يحاول استعادة ما أخفاه من أموال وذهب، فشعر السوريون أن عجلة العدالة بدأت تدور. وكان كثيرون يتوقعون أن يمثل أمام محكمة مختصة بالنظر في الجرائم الجسيمة، وأن تكون محاكمته رسالة واضحة لكل من ظن يومًا أن السلطة أو النفوذ يمكن أن يحمياه من الحساب...

وإذا كانت النيابة العامة قد قدمت، كما أُعلن، أدلتها وشهاداتها، فإن حجم الجرائم المنسوبة إليه – إن ثبتت أمام القضاء – يجعل هذه القضية امتحانًا حقيقيًا للقضاء السوري، لا قضية عادية في سجل المحاكم...

إن العدالة الانتقالية ليست مؤتمرات صحفية، ولا بيانات سياسية، ولا شعارات تُرفع أمام الكاميرات. العدالة الانتقالية تبدأ عندما يشعر المظلوم أن الدولة استعادت حقه، وأن القاتل والخاطف والمبتز يقفون أمام القانون مجردين من كل نفوذ...

لهذا، فإن السوريين ينتظرون الحكم، لا بدافع الانتقام، وإنما لأنهم يريدون أن يروا العدالة وهي تمشي على قدميها لأول مرة منذ عقود.

لكن:
ما يثير القلق هو ما يتردد من تسريبات لم تؤكدها أي جهة رسمية، تتحدث عن مشروع لإلغاء عقوبة الإعدام، وربطه – وفق ما يُتداول – بترتيبات أو تفاهمات سابقة قد تحول دون تنفيذ هذه العقوبة بحق شخصيات من النظام السابق. ولا أستطيع الجزم بصحة هذه المعلومات، لكن مجرد تداولها يكفي لإثارة أسئلة مشروعة تستحق جوابًا واضحًا من الحكومة...

فإذا كان في الأمر شيء من الصحة، وإذا جرى تغيير القانون في هذا التوقيت تحديدًا، فسيقرأه السوريون باعتباره رسالة سياسية لا إصلاحًا تشريعيًا، وسينظرون إليه على أنه حماية غير مباشرة لمن يعتقدون أنهم مسؤولون عن جرائم جسيمة، لا خطوة في طريق بناء دولة القانون...

وأقولها بصراحة للسيد أحمد الشرع وللحكومة الانتقالية:

- إياكم أن يكون أول قانون كبير في عهدكم هو القانون الذي يفقد الناس ثقتهم بكم...
- إياكم أن تمنحوا السوريين شعورًا بأن دماء أبنائهم كانت بندًا قابلًا للتفاوض...
- إياكم أن تجعلوا العدالة الانتقالية عنوانًا جميلًا يخفي وراءه صفقات لا يعرفها الشعب...

فالثقة تُبنى بقرار، لكنها تنهار بقرار واحد أيضًا...
إن الشعب الذي صبر سنوات طويلة، وقدم مئات الآلاف من الضحايا، لن يقبل أن يرى كبار المتهمين ينجون من العقاب بسبب حسابات سياسية أو ضغوط خارجية أو تفاهمات لا يعلم عنها شيئًا...
لذا:
- أن كانت هذه التسريبات غير صحيحة، فلتخرج الحكومة وتنفيها بوضوح، فتغلق بذا باب الشائعات وتطمئن السوريين...
- أما إذا كانت صحيحة، فإن الحكومة ستكون قد وضعت مشروع العدالة الانتقالية كله على حافة الانهيار، وستكون قد فتحت جرحًا جديدًا في ذاكرة وطن لم تندمل جراحه بعد...
عموماً:
- إن الدول لا تُبنى بالمجاملة، ولا بالصفقات، ولا بإرضاء الخارج على حساب الداخل...
بل:
 تُبنى عندما يكون القانون فوق الجميع، وعندما يعلم كل من أجرم أن نهاية الطريق ليست المنفى، بل قاعة المحكمة، وأن كلمة القضاء هي الكلمة الأخيرة...

هذا هو الاختبار...

فإما أن تنجح الدولة في أول امتحان، وإما أن يبدأ السقوط من اللحظة التي ظن الجميع أنها لحظة الخلاص...
نهاية أؤكد:
أنه ليس أخطر على الأوطان من أن يموت المظلوم مرتين؛ مرةً برصاص الجلاد، ومرةً حين يعجز القانون عن إنصافه...

إن العدالة ليست رغبة في الانتقام، وإنما هي آخر ما يتشبث به شعبٌ خرج من تحت ركام المأساة وهو يحلم بدولةٍ لا يُقدَّس فيها أحد، ولا يُحصَّن فيها مجرم، ولا تُباع فيها دماء الأبرياء على موائد السياسة...

فاحذروا...
- إن أول خطأ في مسيرة العدالة الانتقالية قد يكون آخر فرصة لبناء الثقة بين الدولة وشعبها...
- والتاريخ لا يكتب أسماء الحكام الذين وعدوا فقط، بل يخلّد الذين أنصفوا... ويطارد الذين خانوا الوعد.