
سورية...
مرثية وطن لم يمت بعد:
د.صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليس أقسى على الإنسان من أن يرى بيته يحترق وهو عاجز عن حمل الماء، إلا أن يرى أبناءه يختلفون على لون الدخان، وينسى كل واحد منهم أن النار تأكل البيت كله...
هكذا أرى سورية...
ليست بلداً خسر حرباً، بل روحاً أُنهكت حتى كادت تنسى اسمها، فما عاد السوري يسأل:
- كيف نحفظ الوطن؟..
بل صار يسأل:
- لمن سيكون الوطن إذا انتهت الحرب؟..
ذلك هو السقوط الحقيقي، فالأوطان لا تموت حين تُهدم بيوتها، وإنما تموت حين يصبح أبناؤها غرباء عن بعضهم، وحين تتحول الذاكرة إلى سلاح، والهوية إلى متراس، والحقيقة إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون...
لقد رأيت، كما رأى كثيرون، كيف تحولت بلاد كانت تتسع لاختلاف البشر إلى خرائط صغيرة، لكل منها نشيدها وخوفها ورايتها، ولم يكن الخراب الذي أصاب الحجارة أشد هولاً من الخراب الذي أصاب الضمائر؛ لأن المدينة إذا تهدمت بُنيت من جديد، أما إذا تهدم الإنسان في داخله، فإن إعادة بنائه تحتاج إلى أجيال...
ولم يكن أكثر ما أفزعني هدير المدافع، بل صمت العقول، فالمدفع لا يطلق النار إلا بأمر إنسان، أما الكراهية فإنها تطلق نفسها بنفسها، ثم تبحث عمن يحملها...
ولهذا لم أخش الحرب بقدر ما خشيت ما ستتركه الحرب بعد أن تصمت البنادق؛ لأن البنادق لا تورث أبناءها، أما الأحقاد فتورثها جيلاً بعد جيل، حتى تصبح جزءاً من التربية، ومن اللغة، ومن الذاكرة...
عندها لا يعود الوطن وطناً، بل يصبح اسماً يتقاتل الناس عليه، بينما يكون قد غادرهم منذ زمن، لهذا اخترت الكلمة، لا لأنها أضعف من الرصاصة، بل لأنها أبقى منها، فالرصاصة تنتهي عند أول جسد، أما الكلمة الصادقة فقد تعيش بعد صاحبها بعشرات السنين، تطرق أبواب الضمائر كلما أوشكت على النوم...
ولم يكن انتقالي من الميدان إلى الفكر انسحاباً، بل انتقالاً من معركةٍ تُدار بالسلاح إلى معركةٍ تُدار بالوعي، كنت أخشى أن يتحول الحلم بالتغيير إلى بوابة لفناء الدولة، وأن يبتلع الفراغُ كلَّ ما عجز الاستبداد عن ابتلاعه، ولم يكن خوفي نابعاً من تعلقٍ بسلطة، بل من يقين بأن الدولة، مهما اعتراها من خلل، إذا سقطت دفعةً واحدة، خرج من بين أنقاضها أمراء الحروب، وتجار الدم، ودعاة الخلاص بالعنف...
ولم يمض وقت طويل حتى أثبتت الأيام أن الفوضى لا تلد الحرية بالضرورة، بل قد تلد استبداداً آخر، أشد قسوة، لأنه يتدثر بالمقدس، ويمنح العنف اسماً سماوياً، ويجعل الاختلاف خطيئة تستوجب الإقصاء...
هناك أدركت أن سورية لم تكن تخسر أرضاً فحسب، بل كانت تخسر صورتها في مرآة التاريخ.