
العدالة الانتقالية…
كيف ننصف الماضي دون أن نخسر المستقبل؟:
"في المجتمعات الخارجة من الحروب، لا يكون السؤال:
- هل نريد العدالة؟ ..
بل:
- أي عدالة تمنع الحرب من العودة؟".
تبدو العدالة مطلبًا بديهيًا لا يحتاج إلى تبرير؛ فالضحايا يستحقون الإنصاف، والانتهاكات تستوجب المحاسبة، والكرامة الإنسانية لا تستعاد إلا بالاعتراف بما تعرضت له من انتهاك. غير أن تجارب الدول الخارجة من الصراعات تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: فالعدالة، إذا أُديرت بمنطق الغلبة أو الانتقام، قد تصبح سببًا لاستمرار الانقسام بدل أن تكون مدخلًا لإنهائه...
وتتضاعف هذه الإشكالية في سوريا، حيث امتدت سنوات الصراع طويلًا، وتشابكت فيها المآسي الإنسانية مع الانقسامات السياسية والاجتماعية، وتعددت روايات الألم حتى بات لكل جماعة ذاكرتها الخاصة وخسائرها الخاصة، لذلك لا يمكن اختزال العدالة الانتقالية في محاكمات أو تشريعات، بل ينبغي النظر إليها بوصفها مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة...
وأول شروط نجاح هذا المشروع هو الفصل الواضح بين العدالة والانتقام، فالمحاسبة ضرورة لا تستقيم الدولة من دونها، لكنها تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى عقاب جماعي أو تصفية حسابات سياسية. فالعدالة تعاقب الأفعال وفق القانون، أما الانتقام فيستهدف الجماعات ويورث أحقادًا جديدة...
ولا يقل عن ذلك أهمية الاعتراف بتعدد معاناة السوريين، فاحتكار صفة الضحية أو إنكار آلام الآخرين لا يصنع ذاكرة وطنية، بل يرسخ ذاكرات متقابلة يصعب التوفيق بينها. أما الاعتراف المتبادل بالألم، فهو الخطوة الأولى نحو مصالحة تقوم على الحقيقة لا على النسيان...
وتحتاج هذه العملية إلى مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه وإرادة سياسية تحمي القانون من الضغوط والانتقائية، فالعدالة لا تُقاس بعدد المحاكمات، بل بقدرة المؤسسات على تطبيق القانون بمعيار واحد على الجميع. وفي الحالة السورية تزداد المهمة تعقيدًا، لأن إعادة بناء مؤسسات الدولة أصبحت جزءًا من عملية العدالة نفسها، لا شرطًا منفصلًا عنها...
ولعل الخطأ الأكثر شيوعًا هو التعامل مع العدالة الانتقالية باعتبارها محطة مؤقتة تنتهي بإصدار الأحكام. فهي في حقيقتها مسار طويل يبدأ بكشف الحقيقة، ويمر بإنصاف الضحايا وجبر الضرر، ويستمر بإصلاح المؤسسات وترسيخ ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات. ولهذا فإن العدالة لا تكتمل داخل قاعات المحاكم وحدها، بل تمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام، وإلى كل فضاء يسهم في بناء ذاكرة وطنية تعترف بالماضي دون أن تبقى أسيرته...
وفي المقابل، فإن تجاهل العدالة لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الانفجار. فالظلم الذي لا يُعالج لا يختفي، وإنما يتحول إلى شعور متراكم بالمرارة، ينتظر اللحظة التي يعود فيها إلى السطح بصورة أشد قسوة. ومن هنا، فإن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على النسيان، كما أن العدالة الحقيقية لا تقوم على الثأر...
إن مستقبل سورية لن يتوقف على قدرتها على محاسبة الماضي فحسب، بل على قدرتها أيضًا على منع الماضي من احتجاز المستقبل، فالتحدي ليس الاختيار بين العدالة والاستقرار، وإنما بناء معادلة تجعل كلًّا منهما شرطًا للآخر.
..
ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة بأسرها:
- كيف ننصف الضحايا، ونكشف الحقيقة، ونحاسب المسؤولين، من دون أن نعيد إنتاج الانقسام الذي قاد إلى المأساة؟..
فالإجابة عن هذا السؤال ليست قضية قانونية فحسب، بل هي المشروع الوطني الذي ستتحدد على أساسه فرص سورية في استعادة الدولة والمجتمع معًا.