--:--
أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تقييماً ميدانياً في محيط قلعة الشقيف جنوب لبنان، مؤكداً استمرار العمليات لإزالة ما وصفه بالتهديدات، مع التشديد على رفع الجهوزية وتعزيز التنسيق بين القوات. اعترف بوتين بتأثر إمدادات الوقود جراء الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط، لكنه أكد أن الأزمة غير حرجة ولن تؤثر في سير العمليات العسكرية، فيما تواصل موسكو إصلاح المنشآت وتعزيز دفاعاتها الجوية. أعلنت أوكرانيا استهداف منشأة نفطية قرب سان بطرسبورغ بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى اندلاع حرائق، بينما أكدت روسيا اعتراض عدد من المسيّرات واحتواء الأضرار، دون الإعلان عن وقوع تشهد دمشق ترقباً لزيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة قد تمثل بداية انفتاح أوروبي جديد على سوريا، وسط توقعات ببحث ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني وإعادة الإعمار.

الهزائم لا تبدأ عند الحدود

Salah Kirata • ٦‏/٧‏/٢٠٢٦

54642.png

الهزائم لا تبدأ عند الحدود:

ليست الهزائم الكبرى ثمرة تفوق عسكري مفاجئ، بقدر ما هي النتيجة الطبيعية لتآكل الدولة من الداخل، فالأوطان التي تقوم على الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتحكمها العدالة وسيادة القانون، تتحول إلى حصون يصعب اختراقها، بينما تصبح الدول المنقسمة، مهما امتلكت من جيوش وأجهزة أمنية، أكثر قابلية للاختراق لأنها تكون قد فقدت خط دفاعها الأول وهو (الإنسان) فهو من له أن يبني وهو نفسه يمكن أن يحرق ويدمر...

لقد أثبت التاريخ أن أخطر الاختراقات لا يصنعها الجواسيس وحدهم، بل تصنعها البيئات السياسية التي تسمح لهم بالنجاح، فعندما تدخل مؤسسات الدولة في صراعات الولاءات، ويتراجع الانتماء الوطني أمام المصالح الشخصية أو الفئوية، تصبح الأسرار أقل كلفة من حفظها، وتغدو الثغرات أكبر من أن تسدها الإجراءات الأمنية...

في سوريا، ظل المجتمع بعد حرب عام 1948، رغم الجراح، يتمتع بقدر من التماسك فرضه الشعور بالخطر الخارجي. لكن هذا التوازن بدأ يتآكل مع التحولات التي أعقبت وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، حيث دخلت الدولة في دوامة من الصراعات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، وفي تلك البيئة تمكن إيلي كوهين من الوصول إلى دوائر شديدة الحساسية، في حادثة لم تكن مجرد نجاح استخباراتي، بل كانت انعكاسًا لخلل بنيوي سبقها ومهّد لها...

غير أن الاختراق الأعمق في التجربة السورية لم يكن اختراق عميل أجنبي، بل اختطاف الدولة نفسها، فعندما تُختزل مؤسسات الوطن في خدمة عائلة أو دائرة ضيقة، ويتحول الجيش والحزب والأجهزة الأمنية إلى أدوات لحماية السلطة بدل حماية الدولة، يصبح الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للوطن، وعندها تبدأ مؤسسات الدولة بفقدان مناعتها، لأن الخوف قد يصنع الطاعة، لكنه لا يصنع الانتماء...

وليس هذا النمط حكرًا على سورية، فالاغتيالات الدقيقة والاختراقات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، سواء في إيران أو لبنان، تؤكد أن التفوق التكنولوجي وحده لا يفسر نجاح العمليات الاستخباراتية، فكل عملية من هذا النوع تحتاج، قبل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، إلى ثغرة بشرية أو معلوماتية داخل البيئة المستهدفة. وهذه الثغرات لا تنشأ عادة في الدول المتماسكة، بل في المجتمعات التي اتسعت فيها الفجوة بين السلطة والناس...

إن التاريخ السياسي يكاد يجمع على حقيقة واحدة وهي:
 كلما تراجعت شرعية السلطة، تراجعت معها قدرة المجتمع على الدفاع عنها، فالحاضنة الشعبية ليست مجرد تأييد سياسي، بل هي منظومة حماية غير مرئية، تجعل الاختراق أكثر صعوبة، وتحول دون تحول المواطنين إلى شهود صامتين أو متفرجين أو حتى ناقمين...

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من نجاح أجهزة استخبارات كالموساد ووكالة المخابرات المركزية، فهذه الأجهزة لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تستثمر قبل كل شيء في مواطن الضعف الداخلية: الانقسام، والفساد، والاستبداد، وفقدان الثقة بين الدولة ومواطنيها...

ولذلك تبقى الحكمة المنسوبة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز صالحة لكل زمان: 
"إن الحصون لا يحميها الحجر، وإنما يحميها العدل."
فالأمن الحقيقي لا يبدأ من الأبراج والأسلاك الشائكة، بل من دولة يشعر مواطنها بأنها دولته، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن نفسه لا عن سلطة فوقه...

لهذا لا تسقط الدول يوم تعبرها الجيوش، بل يوم تتآكل مناعتها الداخلية، وما يبدو في ظاهره انتصارًا استخباراتيًا خارجيًا، لا يكون في كثير من الأحيان إلا النتيجة الأخيرة لهزيمة بدأت بصمت، داخل النفوس والمؤسسات، قبل أن تظهر على الخرائط.