--:--
أجرى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تقييماً ميدانياً في محيط قلعة الشقيف جنوب لبنان، مؤكداً استمرار العمليات لإزالة ما وصفه بالتهديدات، مع التشديد على رفع الجهوزية وتعزيز التنسيق بين القوات. اعترف بوتين بتأثر إمدادات الوقود جراء الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط، لكنه أكد أن الأزمة غير حرجة ولن تؤثر في سير العمليات العسكرية، فيما تواصل موسكو إصلاح المنشآت وتعزيز دفاعاتها الجوية. أعلنت أوكرانيا استهداف منشأة نفطية قرب سان بطرسبورغ بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى اندلاع حرائق، بينما أكدت روسيا اعتراض عدد من المسيّرات واحتواء الأضرار، دون الإعلان عن وقوع تشهد دمشق ترقباً لزيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة قد تمثل بداية انفتاح أوروبي جديد على سوريا، وسط توقعات ببحث ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني وإعادة الإعمار.

حين تصبح الجماعة غاية: لماذا تعجز التنظيمات العقائدية عن بناء الدولة

Salah Kirata • ٥‏/٧‏/٢٠٢٦

54477.png


حين تصبح الجماعة غاية: 
لماذا تعجز التنظيمات العقائدية عن بناء الدولة؟.

تاريخ الحركات العقائدية، على اختلاف مرجعياتها الدينية أو القومية أو الأيديولوجية، يكشف حقيقة تكاد تكون ثابتة: أن النجاح في بناء تنظيم ليس هو النجاح في بناء دولة، وأن القدرة على تعبئة الأتباع لا تعني القدرة على إدارة مجتمع متعدد المصالح والهويات...

فالجماعة تنشأ لتدافع عن فكرة، أما الدولة فتقوم لخدمة الإنسان، أيًّا كان انتماؤه، وبين الوظيفتين مسافة شاسعة لا يدركها كثير من التنظيمات إلا بعد فوات الأوان...

تكمن المشكلة الأولى في أن الجماعة العقائدية تنظر إلى نفسها بوصفها صاحبة الحقيقة الكاملة، أو على الأقل صاحبة المشروع الأجدر بالاتباع، ومع مرور الزمن يتحول هذا الاعتقاد إلى ثقافة داخلية تجعل التنظيم هو معيار الصواب، ويصبح الولاء للجماعة مقدماً على الولاء للمجتمع، والانتماء إليها معياراً للثقة والكفاءة، بينما تتحول بقية مكونات المجتمع إلى دوائر متفاوتة القرب والبعد، لا إلى شركاء متساوين في الوطن...

ومن هنا:
 يبدأ أول تصادم مع فكرة الدولة الحديثة، لأن الدولة لا تعرف أبناءها وفق درجات الانتماء الفكري، وإنما وفق مبدأ المواطنة وسيادة القانون...

ومن أخطر ما يصيب التنظيمات العقائدية أنها تنشئ أفرادها على الطاعة والانضباط أكثر مما تنشئهم على التفكير النقدي، فالهرم التنظيمي يحتاج إلى تنفيذ سريع، بينما الدولة تحتاج إلى نقاش، ومراجعة، وتوازن بين السلطات، وقبول بالرأي المخالف. لذلك تجد كثيراً من أبناء هذه التنظيمات بارعين في إدارة الاجتماعات التنظيمية، لكنهم أقل قدرة على إدارة مجتمع واسع متعدد المصالح والثقافات...

كما أن الثقافة التنظيمية تقوم غالباً على السرية، لأنها نشأت في ظروف صراع أو ملاحقة أو مواجهة. وهذه السرية قد تكون مفهومة في ظروف العمل السري، لكنها تصبح عبئاً ثقيلاً عندما تنتقل إلى إدارة الشأن العام، لأن الدولة لا تُدار بالغرف المغلقة، بل بالشفافية والمحاسبة والوضوح...

ومن السمات الملازمة للعقل التنظيمي أنه ينظر إلى المجتمع باعتباره امتداداً للجماعة، لا كياناً مستقلاً عنها. فيسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق صورته الخاصة، بدلاً من أن يتكيف مع تنوع المجتمع ويحتضنه، وهنا تنقلب المعادلة؛ فبدلاً من أن تخدم الدولة المجتمع، يصبح المجتمع مطالباً بخدمة مشروع الجماعة...

وتزداد الأزمة حين يختلط المقدس بالبشري، فحين يُقدَّم الاجتهاد السياسي على أنه جزء من الدين، تصبح معارضة القرار السياسي وكأنها معارضة للعقيدة، ويتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى خلاف ديني أو أخلاقي، فتضيق مساحات الحوار، وتتسع دوائر التخوين والتكفير أو التفسيق أو الاتهام بالعمالة، بحسب طبيعة كل تنظيم...

وهذه إحدى أخطر الآفات التي عرفها التاريخ؛ إذ إن تقديس التنظيم يمنع مراجعة الأخطاء، لأن الاعتراف بالخطأ يُفهم على أنه مساس بالمشروع كله، بينما لا تتقدم الدول إلا بالنقد والمراجعة والتصحيح المستمر...

ومن المشكلات البنيوية أيضاً أن التنظيم العقائدي يربي أعضاءه على ثنائية حادة
: "نحن" و"هم"...
 وهي ثنائية قد تساعد على تماسك الجماعة في مراحل الصراع، لكنها تصبح كارثية عند إدارة مجتمع متنوع، لأن الدولة لا تستطيع أن تقسم مواطنيها إلى معسكرات دائمة، بل عليها أن تجمع المختلفين تحت مظلة واحدة...

ولذلك فإن عقل الجماعة يبحث دائماً عن الأنصار، بينما عقل الدولة يبحث عن المواطنين...

كما أن التنظيمات العقائدية تميل إلى اعتبار امتلاك السلطة دليلاً على صحة مشروعها، بينما السلطة في حقيقتها مجرد وسيلة لخدمة الناس، وليست شهادة على التفوق الأخلاقي أو الفكري. فإذا تحولت السلطة إلى غاية، أصبحت المحافظة عليها مقدمة على المحافظة على المجتمع، وهنا تبدأ دوامة الاستقطاب والانقسام...

ويلاحظ أيضاً أن كثيراً من هذه التنظيمات تبالغ في تقدير قوتها الذاتية، لأنها تقيس المجتمع بحجم جمهورها المنظم، بينما الدولة تُقاس بملايين المواطنين الذين لا ينتمون إلى أي تنظيم. لذلك كثيراً ما تُفاجأ بأن المجتمع أكثر تعقيداً، وأن إدارة المصالح المتعارضة أصعب بكثير من إدارة الصف الداخلي...

ومن الفروق الجوهرية أن التنظيم يعيش على الحماس، بينما الدولة تعيش على المؤسسات. والحماس يصنع انتصارات مؤقتة، أما المؤسسات فتصنع الاستقرار لعقود، وكلما حاولت جماعة أن تستبدل المؤسسات بالأشخاص، أو بالقادة الكاريزميين، أو بالولاءات التنظيمية، بدأت الدولة تفقد توازنها...

وقد أثبت التاريخ أن التنظيمات التي نجحت في التحول إلى أحزاب مدنية وطنية هي تلك التي قبلت بإعادة تعريف نفسها، وتخلت عن احتكار الحقيقة، وفصلت بين الدعوي والسياسي، وبين العقدي والإداري، وآمنت بأن التداول السلمي للسلطة ليس هزيمة، بل ضمانة لبقاء الدولة والمجتمع...

إن الدولة ليست نسخة مكبرة من الجماعة، كما أن المجتمع ليس تنظيماً واسعاً ينتظر التعليمات. الدولة كيان قانوني وأخلاقي يقوم على المساواة بين المواطنين، واحترام التنوع، واستقلال المؤسسات، وخضوع الجميع للقانون، حكاماً ومحكومين...

ولهذا فإن أكبر امتحان لأي جماعة عقائدية ليس قدرتها على الوصول إلى السلطة، وإنما قدرتها على التحرر من عقل الجماعة بعد الوصول إليها. فالتنظيم الذي يبقى أسير ثقافته الداخلية، مهما حسنت نواياه، سيظل ينظر إلى الدولة بعين التنظيم، وإلى المواطنين بعين الأتباع، وإلى السياسة بعين العقيدة، وإلى المعارضة بعين الخصومة...

وهنا تبدأ رحلة الفشل:
فالنجاح في إدارة الدولة لا يحتاج إلى أكثر الجماعات انضباطاً، وإنما إلى أكثر العقول اتساعاً، وإلى ثقافة تؤمن بأن الوطن أكبر من أي تنظيم، وأن المجتمع أوسع من أي عقيدة سياسية، وأن الدولة تبقى، بينما الجماعات، مهما عظمت، ليست سوى مرحلة من مراحل التاريخ.