الدولة لا تُحكم بالسيرة الماضية... بل بما يفعله الحاكم اليوم

Salah Kirata • ٨‏/٧‏/٢٠٢٦

55080.png

الدولة لا تُحكم بالسيرة الماضية...
 بل بما يفعله الحاكم اليوم.

من أخطر الأخطاء التي تقع فيها المجتمعات الخارجة من الحروب والثورات أن تجعل الماضي حكماً نهائياً على الحاضر، وأن تستبدل تقييم الوقائع بمحاكمات الهوية والسيرة الشخصية، فالسياسة ليست علماً لتقديس الأشخاص، لكنها أيضاً ليست محكمة أبدية لا تعترف بإمكانية التحول...

لقد اعتدت شخصياً ألا أحكم على فعل أو موقف بمعزل عن الظروف التي أنتجته، أو أدت إلى القيام به، فالسياق ليس ترفاً فكرياً، بل هو نصف الحقيقة، وأحياناً الحقيقة كلها، لذلك أرى أن من الضروري أن يعيد السوريون النظر في الطريقة التي يقاربون بها شخصية الرئيس أحمد الشرع، بعيداً عن أسر الصورة السابقة المرتبطة باسم "أبو محمد الجولاني".

لا يعني ذلك محو الماضي أو تبرئته، ولا دعوة إلى النسيان، وإنما يعني أن الرجل أصبح اليوم رئيساً لدولة، وهذه صفة سياسية ودستورية تفرض معايير مختلفة عن تلك التي كانت تحكم قائد فصيل أو زعيماً لتنظيم، فالدول لا تُدار بعقل الجماعات، كما أن الرؤساء يُحاسبون على سياساتهم وقراراتهم، لا على الأسماء التي حملوها في مراحل سابقة...

المشهد السياسي الراهن يؤكد أن الشرع بات يتعامل مع العالم بصفته رئيساً لسورية، حضوره في قمة حلف الأطلسي، وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وما يصاحب ذلك من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشيد بقدرته على توحيد سورية أو تتحدث عن وجود دعم أمريكي وتركي لوصوله إلى الرئاسة، كلها مؤشرات ــ سواء اتفقنا معها أم تحفظنا عليها ــ تدل على أن المجتمع الدولي يتعامل مع واقع سياسي جديد، لا مع سيرة رجل فقط...

قد نختلف مع كثير من هذه التصريحات، بل قد نرفض بعضها شكلاً ومضموناً، لكن تجاهل دلالاتها السياسية لا يغير من حقيقة أن سورية تعيش مرحلة مختلفة، وأن السياسة الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على موازين القوى والمصالح، خصوصاً عندما تكون الدولة خارجة من حرب طويلة وتبحث عن إعادة تثبيت موقعها...

غير أن القضية الأهم ليست في نظرة الخارج، بل في نظرتنا نحن السوريين:

فالمعيار الوطني السليم يقتضي ألا يكون تأييد الرئيس أو معارضته قائماً على انتمائه المذهبي أو الديني أو القومي، فمن المؤسف أن يختزل بعض الناس الرجل في كونه عربياً سنياً، فيؤيدوه لهذا السبب، أو يعارضوه للسبب ذاته، هذا ليس موقفاً سياسياً، بل انعكاس لوعي طائفي يناقض فكرة الدولة الحديثة...

الرئيس في أي دولة ليس ممثلاً لطائفته، ولا وكيلاً عن مذهبه، ولا ناطقاً باسم جماعته الدينية، إنه مسؤول عن جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، ويجب أن يُقاس نجاحه بمدى احترامه للدستور، وترسيخه لدولة القانون، وحمايته للحريات، وتحقيقه للعدالة، وقدرته على بناء مؤسسات تتساوى أمامها الحقوق والواجبات...

وفي المقابل:
 فإن المسؤولية لا تقع على المجتمع وحده، بل على الرئيس نفسه أيضاً، فمن واجبه أن يساعد السوريين على تجاوز الانقسامات التي أنهكتهم، وأن يقدم نفسه باعتباره رئيساً لكل السوريين، لا زعيماً لجمهور بعينه...

ولهذا فإن الخطاب السياسي يصبح جزءاً من صناعة الثقة الوطنية، فالمفردات التي تصلح لمنبر ديني لا تصلح بالضرورة لمنبر الدولة، واللغة التي تعبّر عن جماعة عقائدية لا يمكن أن تكون لغة رئيس يسعى إلى تمثيل مجتمع متعدد المشارب والانتماءات... فالدولة تتحدث بلغة المواطنة، والقانون، والمؤسسات، لا بلغة الوعظ أو التعبئة أو الاصطفاف الديني...

إن انتقال أي قائد من فضاء الحركة الأيديولوجية إلى فضاء الدولة لا يكتمل بمجرد تغيير المنصب، بل يقتضي تحولاً في الثقافة السياسية، وفي الخطاب، وفي الأولويات. وهذا التحول هو ما ينتظره السوريون، وما ينبغي أن يكون معيار الحكم الحقيقي عليه...

إن سورية اليوم ليست بحاجة إلى إعادة إنتاج الانقسام تحت عناوين جديدة، ولا إلى استبدال طائفية بأخرى، أو إقصاء بإقصاء مقابل. إنها بحاجة إلى دولة يكون فيها المواطن مواطناً قبل أي وصف آخر، ويكون فيها الرئيس رئيساً للجميع، لا ممثلاً لهوية ضيقة...

وفي النهاية:
 لا أحد يجب أن يُمنح صك براءة مسبقاً، ولا صك إدانة أبدياً. المعيار الوحيد الذي يحفظ للدولة هيبتها وللشعب حقه هو أن يُحاسب الحاكم على ما يفعله وهو في الحكم، لا على ما كانه قبل أن يصل إليه. فهذه هي القاعدة التي تبني الدول، وما عداها لا يصنع إلا انقسامات جديدة تؤجل ولادة الوطن الذي يستحقه السوريون.