سورية بين الوقائع والتأويل... حين تتحول المعلومة إلى رواية سياسية

Salah Kirata • ٨‏/٧‏/٢٠٢٦

55289.png


سورية بين الوقائع والتأويل...
 حين تتحول المعلومة إلى رواية سياسية.

من يقرأ المشهد السوري اليوم يدرك أن البلاد لا تزال تعيش مرحلة شديدة الحساسية، وأن الخطر الأمني لم ينتهِ بسقوط النظام السابق، بل دخل شكلاً جديداً أكثر تعقيداً، لذلك فإن الحديث عن الإرهاب، وعن الصراع الاستخباراتي، وعن تنافس القوى الإقليمية والدولية ليس ضرباً من الخيال، بل هو جزء من واقع تفرضه الجغرافيا والسياسة معاً...

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوقائع إلى منصة لبناء روايات مكتملة الأركان دون أدلة كافية، فيختلط الخبر بالتحليل، وتصبح القناعة الشخصية بديلاً عن البرهان...

لا شك أن تنظيم داعش ما زال يمثل تهديداً حقيقياً، وأن خلاياه تحاول استغلال أي فراغ أمني لتنفيذ عمليات نوعية، وهذا لا يقتصر على سورية، بل شهدته دول تمتلك من الإمكانات الأمنية ما يفوق بكثير ما تملكه دمشق اليوم. ولذلك فإن وقوع عملية إرهابية، أو حتى إحباطها، لا يصلح وحده دليلاً على فشل السلطة أو على وجود مخطط دولي تقوده هذه الدولة أو تلك...

أما الحديث عن وجود أجنحة متعددة داخل داعش، بعضها مرتبط بقوى إقليمية أو دولية، فهو احتمال ناقشته مراكز دراسات وخبراء أمنيون بصيغ مختلفة، لكن الانتقال من الاحتمال إلى الجزم يحتاج إلى أدلة استخباراتية معلنة لا إلى ترجيحات تُقدَّم للرأي العام وكأنها حقائق نهائية...

وفي المقابل، ليس سراً أن سورية أصبحت اليوم محور تعاون أمني واسع بين عدد من الدول العربية وتركيا، وربما مع أطراف دولية أيضاً، فالإرهاب لا يعترف بالحدود، وأي انهيار أمني في سورية ستكون ارتداداته على المنطقة بأكملها. ولهذا فإن تبادل المعلومات الأمنية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلاً على عجز الدولة السورية، بل باعتباره جزءاً من منظومة دولية تعتمدها حتى الدول الكبرى في مواجهة التنظيمات العابرة للحدود...

أما زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، فقد أُحيطت بسيل من التأويلات، قيل إن هدفها فرض شروط سياسية، وقيل إنها جاءت لاختبار قوة السلطة الجديدة، وقيل إن تفاصيل البروتوكول أو لغة الجسد تحمل رسائل خفية. غير أن السياسة الخارجية لا تُقرأ من زاوية النظارات التي يرتديها رئيس دولة، ولا من عدد ساعات الزيارة، وإنما من نتائج الاجتماعات وما يصدر عنها من تفاهمات أو خلافات. فالعلاقات بين الدول تحكمها المصالح، لا الإشارات الرمزية التي يسهل تحميلها ما لا تحتمل...

والحديث عن أن الانفتاح الفرنسي على القيادة السورية الحالية دليل على علاقة قديمة يمتد عمرها لعقود، يغفل حقيقة أن الدول كثيراً ما تعيد صياغة سياساتها عندما تتغير الوقائع على الأرض، ففرنسا نفسها بدّلت مواقفها مرات عديدة خلال الأزمة السورية، كما فعلت الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية أخرى، وهذا ليس دليلاً على مؤامرة، بل على أن السياسة فن التكيف مع المتغيرات...

ويبقى ملف الرئيس أحمد الشرع الأكثر إثارة للجدل، فمن الطبيعي أن يكون ماضيه موضع متابعة وتساؤل، وأن تحاول الدول اختبار توجهات السلطة الجديدة قبل الانخراط الكامل معها، لكن من الخطأ أيضاً افتراض أن كل تقارب دبلوماسي يعني قبولاً كاملاً، أو أن كل خلاف يعني سعياً لإسقاط السلطة. الواقع أكثر تعقيداً من هذه الثنائية المبسطة...

أما القول إن استمرار الشرع في الحكم هو السبب المباشر لاستمرار الصراع، فهو يتجاهل أن سوريا كانت ساحة صراع دولي قبل ظهوره بسنوات، وأن القوى المتنافسة لن تتخلى عن مصالحها بتغيير الأشخاص، فالمشكلة ليست في اسم الحاكم وحده، بل في الموقع الجيوسياسي لسوريا، وتشابك الملفات الإقليمية والدولية على أرضها، والإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب...

لا أحد يستطيع أن ينكر أن السلطة الحالية مطالبة بتحقيق إنجازات أمنية وسياسية واقتصادية أكبر، وأن النقد حق مشروع بل ضرورة وطنية. لكن النقد يفقد قيمته عندما يستند إلى فرضيات غير قابلة للإثبات، أو عندما تتحول كل حادثة إلى دليل على مؤامرة كونية...

لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً بسبب الخطابات التي كانت تبني مواقفها على الشكوك أكثر من الحقائق. واليوم، وهم يحاولون الخروج من واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخهم، فإنهم بحاجة إلى خطاب سياسي يوازن بين الحذر والإنصاف، بين النقد والمسؤولية، وبين الوقائع وما يمكن إثباته بالفعل...

فالدولة لا تُحمى بتقديس السلطة، كما لا تُبنى بإسقاطها مع كل حادث أمني. وما تحتاجه سوريا اليوم ليس المزيد من الروايات، بل المزيد من الحقائق؛ لأن الحقيقة وحدها هي القادرة على حماية وعي الناس، أما التأويلات، مهما بدت متماسكة، فإنها قد تتحول إلى سلاح يطيل عمر الأزمة بدل أن يساعد على إنهائها.