
قتلة الحقيقة...
عندما يصبح التحريض شريكاً للجريمة.
ليس كل من يشارك في الجريمة يحمل متفجراً أو يضغط على زر التفجير...
فمنذ سنوات، بات للإرهاب شركاء من نوع آخر؛ لا يختبئون في الكهوف، ولا يتسللون عبر الحدود، بل يجلسون خلف الشاشات، ينتظرون أول قطرة دم، ليبدؤوا عملية اغتيال الحقيقة...
ما إن يقع انفجار حتى تنطلق ماكينة التحريض بكامل طاقتها، تختفي لغة العقل، ويعلو صراخ الغرائز، ويُستدعى المخزون القديم من الأحقاد، وكأن البعض كان ينتظر الضحايا لا ليواسيهم، بل ليستثمر دماءهم في معركة سياسية أو طائفية مؤجلة...
قبل أن يصل خبراء الأدلة الجنائية إلى مسرح الجريمة، يكون هؤلاء قد أنهوا التحقيق، وحددوا المنفذين، ووزعوا الاتهامات، وأصدروا الأحكام، ونفذوا العقوبات معنوياً بحق أبرياء لا يعرفون عن الجريمة أكثر مما يعرفه أي مواطن آخر...
- أي عدالة هذه؟..
- وأي دولة يمكن أن تقوم إذا أصبح الهاتف المحمول بديلاً عن النيابة العامة، ومنشور "فيسبوك" أقوى من تقرير الأدلة الجنائية، والهوى الشخصي أعلى من سلطة القانون؟..
إن أخطر ما يصنعه خطاب التحريض ليس تضليل الرأي العام فحسب، بل صناعة بيئة مثالية للإرهاب نفسه، فالإرهابي الحقيقي لا يحلم بأكثر من مجتمع ينقسم على نفسه، ويتبادل الاتهامات، ويغرق في الكراهية، بينما يختفي هو بين الركام...
لهذا فإن الذين يحولون كل جريمة إلى مناسبة للتحريض، وكل حادثة إلى منصة لتصفية الحسابات، لا يدركون أنهم، بقصد أو بغير قصد، يقدمون للإرهاب خدمة مجانية، ويحققون له أحد أهم أهدافه: تمزيق المجتمع وإسقاط الثقة بين أبنائه...
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن معاقبة الناس بهوياتهم، ومناطقهم، وطوائفهم، وأصولهم...
في دولة القانون لا يُسأل الإنسان:
- من أين أتيت؟..
بل يُسأل:
- ماذا فعلت؟..
ولا يُدان لأنه ينتمي إلى بيئة معينة، بل لأنه ارتكب فعلاً مجرماً وثبت ذلك بالدليل القاطع أمام قضاء مستقل...
أما تحويل مئات الآلاف، وربما الملايين، إلى متهمين لمجرد الاشتباه أو الانتماء، فهو ليس عدالة، بل جريمة أخلاقية وقانونية، لا تقل خطراً عن الجريمة التي ندّعي محاربتها...
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً حين انتصر خطاب الكراهية على صوت العقل، وحين أصبحت الشائعة أقوى من الحقيقة، والانتقام أقوى من العدالة. فهل نكرر الأخطاء نفسها، ونحن نزعم أننا نبني دولة جديدة؟..
إن الدولة التي تحترم نفسها لا تستعجل إرضاء الرأي العام، ولا تخضع لضجيج المنصات، ولا تكتب أحكامها على صفحات التواصل...
والدولة القوية هي التي تصمت حتى تكتمل الأدلة، ثم تتكلم بلغة القانون...
أما نحن، فعلينا أن نختار:
- إما أن نكون شركاء في كشف الحقيقة...
- وإما أن نكون، من حيث لا نشعر، شركاء في اغتيالها...
فالدم السوري يستحق العدالة...
ولا يستحق أن يتحول إلى وقود لمنابر الكراهية، أو إلى مادة رخيصة في سوق المزايدات السياسية.
فاحذروا...
فليس كل من يطلق رصاصة قاتل...
ولكن كل من يطلق اتهاماً بلا دليل قد يقتل الحقيقة، ويقتل معها وطناً بأكمله.