ما النموذج الممكن للدولة السورية القادمة

Salah Kirata • ٨‏/٧‏/٢٠٢٦

55079.png

ما النموذج الممكن للدولة السورية القادمة؟

"الدولة لا تولد من الفراغ، بل من ركام التجربة؛ من أخطائها، ومن جراحها، ومن الدروس التي أثبتت أن بعض المسارات لم يعد قابلاً للاستمرار."

لا يمكن تصور الدولة السورية القادمة بوصفها نسخة مستوردة من تجربة أخرى، ولا باعتبارها عودة إلى الماضي، فهي ستولد من واقع صنعته عقود من التراكمات، وحرب غيّرت المجتمع، وأرهقت المؤسسات، وأعادت تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي...

ولهذا، فإن الدولة المقبلة لن تبدأ من الصفر، بل من إرث ثقيل: 
مؤسسات أنهكتها الأزمات، ومجتمع مثقل بالانقسامات، وذاكرة وطنية لم تلتئم جراحها بعد. وأي نموذج يتجاهل هذه الحقائق سيبقى أقرب إلى التنظير منه إلى التطبيق...

لقد أثبتت التجربة أن الدولة المركزية المفرطة تُضعف المشاركة وتُراكم الاحتقان، كما أثبت انهيار المركز أن الفوضى لا تنتج بديلاً للدولة، بل تعمّق الانقسام، ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج ثالث: دولة قوية بمؤسساتها، مرنة في إدارتها، عادلة في توزيع السلطة والموارد، وقادرة على احتضان التنوع ضمن إطار وطني واحد...

غير أن جوهر هذا النموذج لا يكمن في شكله الإداري، بل في فلسفته، فالدولة القابلة للاستمرار هي التي تؤسس شرعيتها على المواطنة المتساوية، بحيث تصبح الحقوق والواجبات أساس العلاقة بين الفرد والدولة، لا الانتماءات الضيقة أو الهويات الفرعية...

ولا يكتمل ذلك من دون استعادة الثقة بالمؤسسات، لأنها ليست أبنية إدارية فحسب، بل الضامن العملي للعدالة وسيادة القانون، فإذا فقدت المؤسسات حيادها ومصداقيتها، فقدت الدولة قدرتها على الاستمرار مهما بدا تصميمها الدستوري متقدماً...

ويقوم هذا النموذج على ثلاثة توازنات لا غنى عنها:

- التوازن بين المركز والأطراف، بما يحقق إدارة محلية فاعلة داخل دولة موحدة، بعيداً عن هيمنة المركز أو تفكك الأطراف.
- التوازن بين الأمن والحرية، بحيث يكون الأمن حماية للمجتمع لا وسيلة للهيمنة، وتكون الحرية مسؤولية تحفظ الاستقرار ولا تقود إلى الفوضى.
- التوازن بين الهوية الوطنية والتنوع الاجتماعي، عبر ترسيخ هوية جامعة تستوعب التعدد وتحول دون تحويله إلى انقسام سياسي دائم...

إن الأزمة السورية لم تكن أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع، ولذلك فإن إعادة البناء تبدأ بإعادة صياغة هذه العلاقة على أسس جديدة من الثقة والعدالة والمشاركة...

وفي جوهر الأمر، لايجوز أن تكون الدولة القادمة مشروعاً إدارياً، بل عقداً اجتماعياً جديداً يعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء والسلطة، ويؤكد أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وليست امتيازاً لفئة أو أداة بيد طرف...

غير أن هذا التحول لن يتحقق بقرار سياسي منفرد، بل عبر مسار توافقي طويل، يحتاج إلى إرادة وطنية، وبيئة داعمة، وقناعة راسخة بأن احتكار الدولة أو إقصاء الشركاء لم يعد وصفة للاستقرار، بل مدخلاً لأزمة جديدة.

لذلك، فإن الدولة السورية القادمة لايجوز ان تكون استنساخاً للماضي ولا تقليداً لتجارب الآخرين، بل ثمرة مراجعة شجاعة لتجربة قاسية، ومحاولة لبناء دولة تتعلم من أخطائها أكثر مما تعيد إنتاجها.

ويبقى السؤال الحاسم: كيف نبني دولة لا تكتفي بالنهوض من أنقاض الماضي، بل تمنع تكرار الأسباب التي قادت إلى انهياره؟