
ليس كل انفجار مدخلاً لتصفية الحسابات:
في كل مرة تهتز فيها مدينة على وقع انفجار أو عمل إرهابي، يتكرر المشهد ذاته: وقبل أن يرفع المحققون أول بصمة، أو تُفحص أول كاميرا مراقبة، أو يُستجوب أول مشتبه به، تنطلق محاكمات منصات التواصل الاجتماعي بلا ضوابط ولا مسؤولية، فجأة، يصبح البعض محققين وقضاة ومنفذي أحكام في آن واحد، وتتحول الشائعات إلى حقائق، والظنون إلى أحكام قطعية..
هذا ما حدث عقب الانفجارين اللذين وقعا فجر اليوم بالقرب من وزارة السياحة، فبدلاً من انتظار نتائج التحقيق، رأينا من يسارع إلى نشر الخرائط، وتحديد أحياء بعينها، والإيحاء بأن الفاعل معروف سلفاً، مستنداً إلى مخزون من الكراهية أكثر مما يستند إلى أي دليل أو معلومة موثقة...
مثل هذا الخطاب لا يكشف الحقيقة، بل يطمسها، ولا يخدم الأمن، بل يربكه، وهو لا يساعد أجهزة الدولة، وإنما يشوش على عملها، ويمنح مرتكبي الجرائم -أياً كانوا- فرصة إضافية لتحقيق أحد أهدافهم من خلال :
( نشر الفوضى، وإشعال الفتن، وتمزيق النسيج الاجتماعي)...
دعوا المؤسسات المختصة تقوم بعملها، فالتحقيق الجنائي ليس مسابقة في سرعة إطلاق الاتهامات، وإنما عملية علمية وقانونية تبدأ بجمع الأدلة، وتنتهي أمام القضاء، وكل ما يسبق ذلك لا يعدو كونه ظنوناً قد تصيب، لكنها كثيراً ما تظلم الأبرياء، وتمنح المجرمين الحقيقيين فرصة الاختباء خلف الضجيج...
أنا لا أدافع عن أحد، ولا أطالب بإعفاء أي شخص من المساءلة، على العكس تماماً، أدعو إلى تطبيق القانون بكل صرامة، لكن بعد التحري والتدقيق، وثبوت المسؤولية بأدلة قاطعة، وصدور حكم من قضاء مستقل. فالدولة التي نحلم بها ليست دولة الانطباعات، بل دولة القانون...
أما أولئك الذين يسارعون إلى إلصاق التهمة بمكون اجتماعي بعينه، فإنهم يمارسون ظلماً مزدوجاً:
ظلماً للحقيقة، وظلماً لمئات الآلاف من الأبرياء الذين لا يجوز أن يتحملوا وزر أفعال أفراد، إن ثبتت أصلاً...
وبحكم معرفتي بطبيعة المرحلة، فإن من تورط سابقاً في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية كان يتحرك في ظل سلطة توفر له الحماية والغطاء السياسي والأمني، أما اليوم، وبعد تبدل الظروف وسقوط تلك المظلة، فإن الإقدام على أعمال إرهابية لم يعد خياراً سهلاً أو مأمون العواقب، بل إن تقديري أن الغالبية الساحقة من أبناء تلك الشريحة أصبحت تبحث عن النجاة والاستقرار، وتريد أن تعيش بعيداً عن الصدام، وهي تردد في سرها قبل جهرها: "يا رب الستر"، ومع كل حادثة جديدة تدعو: "اللهم حوالينا ولا علينا."
اخوتي:
إن الإرهاب لا دين له، ولا طائفة له، ولا منطقة له، ولا مكون يحتكره. والمجرم لا يمثل إلا نفسه ومن يشاركه جريمته، أما تحويل المآسي إلى مناسبة لإحياء الأحقاد وتوسيع دائرة الاتهام، فهو خدمة مجانية لكل من يريد لهذا البلد أن يبقى أسير الخوف والانقسام...
لـــذا:
لنترك للأمن مهمته، وللنيابة العامة تحقيقها، وللقضاء كلمته، وعندها فقط، سيكون من حق الجميع أن يدينوا الجاني، وأن يطالبوا بأقصى العقوبات بحقه. أما قبل ذلك، فإن احترام القانون ليس ضعفاً، بل هو أول شروط قوة الدولة، وأول ضمانة لعدالة لا تظلم بريئاً ولا تُفلت مجرماً.